كلفة اللامبالاة:أرواح البشر في كفة الميزان الجزء (19)

 

ممر مستشفى مظلم وخالٍ تماماً يظهر فيه سرير طبي فارغ وشاشة مراقبة مؤشرات حيوية مطفأة تعكس واقع الإهمال الطبي واللامبالاة

تنويه

انطلاقاً من كون هذه المنصة مساحة شخصية مستقلة مخصصة حصرياً لتوثيق المذكرات المهنية والتجارب الميدانية المجردة للكاتب، فإننا نؤكد ابتداءً أن كافة الأطروحات، والوقائع، والتحليلات الواردة في هذا المقال تأتي في سياق استخلاص الدروس الإدارية والفنية العامة، ونقل المعرفة وتطوير الفكر المؤسسي لتجنب العثرات. وبناءً عليه، فإن أي تشابه أو تطابق في الأحداث، أو الإجراءات، أو المسارات التنظيمية مع آلية عمل أي من المستشفيات أو المؤسسات الصحية والرقابية العاملة، هو من قبيل التوارد الموضوعي وتماثل البيئات الإدارية في الميدان، ولا يحمل قطعاً أي دلالة أو قصد لاستهداف جهة معينة بذاتها أو الإساءة لأي كيان. ولمزيد من الإحاطة بالأطر الناظمة ونطاق النزاهة المهنية للمنصة، يرجى مراجعة بيان إخلاء المسؤولية والنزاهة المهنية المعتمد للمدونة

منهجية التوثيق لا الاستهداف الشخصي

إن وصولنا اليوم إلى الجزء التاسع عشر من هذه السلسلة المهنية الممتدة، هو خير دليل على أننا لا نستهدف أشخاصاً ولا نتحرك بدوافع آنية أو كيد ضيق. هذه المذكرات سيرة مهنية مجردة، هدفها الأول والأخير تقويم الأداء المؤسسي. ولقد حرصت في المقالات الخمسة الأخيرة على تقديم استقراءات وتحذيرات واضحة حول مسارات فنية معينة، متوقعاً أن تلقى هذه الإشارات آذاناً صاغية لتصويب المسار؛ لكن الواقع والمعطيات الحالية تؤكد، للأسف، أن الأمور تزداد سوءاً، وأننا انتقلنا من مربع اللامبالاة العادية إلى مربع "العناد المؤسسي".

توازنات المصالح مقابل المكاشفة العامّة وعناد في غير موضعه

معلوم ان السبب في هذا الدفاع المستميت عن الإدارة العامة ليس الكفاءة الفنية قطعاً، بل لأنها إدارة "مطاوعة" تتقن السير وفق رغباتهم وتحقيق التوازنات الضيقة التي يرجونها. قد يظن هؤلاء أنهم يحققون مكاسب ذكية في المحافظة على هذه التوازنات، لكنهم يتناسون مفارقة مخجلة: لقد باتت مشاكل هذه المؤسسة وعثراتها معلومة للقاصي والداني، وتتحدث بها الأوساط المهنية في الأردن كافّة، فكيف يعقل أن يعلم الجميع بتلك التجاوزات بينما يصر مجلس الإدارة على التعامي عنها أو ادعاء عدم المعرفة؟ وفي كلتا الحالتين، المصيبة تعكس خللاً رقابياً فادحاً،وهنا يكمن وجه الغرابة؛ فعلى ماذا يعاندون ولصالح من؟ الكاتب هنا ليس طرفاً في معادلة الرعاية الصحية لديهم، ولن يكون يوماً من طالبي العلاج في أروقتهم، مما يعني أن هذا العناد لا يمس شخصي ولا يضرني بشيء، بل يقع عبؤه وثقله بالكامل على كاهل المرضى والمراجعين الذين يدفعون ثمن هذا "التطنيش" المتزايد من سلامتهم وأعمارهم. ويبدو أن بعض الإدارات الراضخة لمنطق "رأس المال" قد توهمت أن الملاءة المالية والنفوذ الاقتصادي يمنحان حصانة تبيح الاستهانة بأرواح البشر، أو صكاً يمنع الأقلام المهنية من قول كلمة الحق وتسمية الأمور بمسمياتها.

المسؤولية الأخلاقية مقابل أدوات الهدم

نقولها بوضوح: لو كانت الغاية هي الهدم، أو التشهير، أو تصفية الحسابات؛ لكانت المسارات الرقابية الرسمية والمباشرة عبر تقديم التقارير الفنية الموثقة إلى وزارة الصحة كفيلة بمساءلتهم وتهديد وجودهم المؤسسي بالكامل. لكننا اخترنا مسار التوثيق المهني والدروس المستفادة تقديراً للمنظومة الكلية ورغبة في الإصلاح الداخلي.

الترفع عن الخفايا والتركيز على المشهود

إننا، ومنطلقاً من التزامنا الأخلاقي، ونزولاً عند قيمنا الاجتماعية والعشائرية والمهنية الراسخة التي تأنف ممارسات الشخصنة سنترفع تماماً عن النبش في الملفات العميقة المكتومة التي نملك تفاصيلها؛ فلسنا في معرض تصفية حسابات، ونحن أكبر بكثير من هذه المربعات لذلك، لن نتحدث اليوم إلا عن التجاوزات الظاهرة للعيان، والمكشوفة بوضوح داخل المنشأة حتى بات يعلمها الجميع وصغار الموظفين قبل كبارهم. تجاوزات فنية طبية كبيرة لا يمكن السكوت عنها، لاسيما في ظل الظروف والاضطرابات الإقليمية الحالية التي تلزم الدولة فيها كافة المنشآت الطبية برفع الجاهزية القصوى لاستقبال أي طارئ.

العارض الأول: العناية الحثيثة (ICU) بين "الديكور" والواقع المتروك

كيف يمكن لمستشفى يقوم بإجراء عمليات جراحية كبيرة —ولاسيما في أقسام النسائية والتوليد والعمليات الحساسة— أن يمتلك قسماً للعناية الحثيثة (ICU) بسعة سريرين، وهذا ليس عيباً في السعة بحد ذاتها، بل العيب الصارخ والخطر الحقيقي أن هذين السريرين لم يدخلا الخدمة الفعلية يوماً؟ لقد وُجدا كـ "ديكور ومنظر" فقط لإيقاع التضليل إبان زيارات اللجان التفتيشية لوزارة الصحة لإظهار القسم بمظهر الجاهزية. الحقيقة الفنية تشير إلى أنه لم يتم تعيين كادر تمريضي مخصص ومؤهل لهذا القسم الحيوي، بل لا أحد هناك يدرك أبجديات تشغيل العناية الحثيثة، مما يضع حياة أي مريض يحتاج لتدخل عاجل بعد العمليات الكبيرة في مهب الريح وعرضة لخطر حتمي.

العارض الثاني: غياب منظومة الإنعاش الحرج (Code Blue) وطبيب التخدير المقيم

إن أبسط القواعد الفنية في إدارة السلامة الطبية داخل أي مستشفى تقتضي وجود فريق مدرب ومستعد لنداء الطوارئ الحرج (Code Blue) للتدخل الفوري في حالات السكتة القلبية أو الهبوط المفاجئ. والصدمة هنا أن هذه المنظومة غائبة تماماً، ولا يوجد فريق مؤهل يعي أبعاد هذا النداء لإنقاذ الأرواح في اللحظات الحرجة، مما يعني أن أي مراجع أو مريض قد يتعرض لعارض مفاجئ داخل المستشفى يواجه خطر الموت الحتمي لغياب منظومة الإسعاف الداخلي. وينضم إلى هذا الخلل، سلوك إداري يستخسر كلفة تأمين طبيب تخدير مقيم على مدار 24 ساعة داخل الحرم الطبي، والاعتماد بدلاً من ذلك على نظام الاستدعاء (On-Call) من خارج المستشفى لتوظيف النفقات لصالح الأرباح، تاركين المرضى تحت رحمة فنيي التخدير، ومتناسين أن ثواني التأخير في حالات التخدير الحرجة تعني تلفاً دماغياً أو وفاة محققة. وهي حقائق موثقة فندياً ومثبتة، ولن تفلح أي محاولات للتغطية عليها بالوساطات أو التبريرات اللاحقة. يضاف إلى كل هذا التراخي، قسم طوارئ يفتقر لأدنى مقومات التشغيل المستمر، ويقبع في حالة إغلاق وتعطيل شبه دائم عن أداء دوره الأساسي.

إشارة خلف السطور

لن نذهب أبعد من ذلك في سرد التفاصيل المفصلية، ولكننا ندعو الإدارة العامة ومجلس إدارتها إلى مراجعة دقيقة ومطابقة لنص الترخيص الرسمي الممنوح للمستشفى من الجهات التنظيمية، ومقارنته بطبيعة ونوعية العمليات والخدمات الطبية التي تُجرى فعلياً داخل أروقتهم ومخالفتها للمسموح به قانوناً؛ والباقي عندهم، واللبيب من الإشارة يفهم.

الختام والمستقبل

إن هذه المذكرات والتقارير لم تُكتب طلباً لمأرب، ولا بحثاً عن خصومة، بل هي أمانة ثقيلة وضعت في رقابنا لحماية أرواح العباد وتصويب الانحراف المؤسسي. ونؤكد هنا بصورة حاسمة، أن كل ما سِيقَ في هذه السطور ليس من قبيل المبالغة الإنشائية، ولا التهويل أو الاستعراض اللغوي، بل هي حقائق صلبة ومثبتة بيقين، ومسنودة بإثباتات فنية وقاطعة تؤكد دقة كل حرف نُشر. لسنا ممن يلقي التهم جزافاً أو يصفّ الكلام دير فوق بعضه بلا ركيزة؛ فالأدلة قائمة والوقائع حية.

والحقيقة التي أضعها أمام الجميع الليلة، هي أن فرصة الإصلاح الذاتي أو التدارك المؤقت قد فاتت هذه المنظومة تماماً؛ فالملفات تداخلت ببعضها، والخلل الهيكلي تشابك لدرجة تجعلهم عاجزين تقنياً وفنياً عن تصويب أي شيء حتى لو امتلكوا النية لذلك،قبل عام من الآن حين لاحت بوادر التحذير وأشارت أطراف مخلصة لمواطن الخلل، اختار القائمون على الأمر التعامي والاستهتار، لتأتي هذه السنة الأخيرة وتثبت بالأرقام والنتائج أن الأمور خرجت تماماً عن السيطرة، وأن كلفة اللامبالاة باتت باهظة وتزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

بناءً عليه، لم يعد هناك متسعٌ لتقديم نصائح لمن لا يملك أدوات الحل ولا فقه الإدارة؛ والكرة لم تعد في ملعبهم لأنهم للاسف أضعف من حملها ومن هنا، فإن الحديث القادم في الجزء العشرين لن يكون كسابقيه؛ فلن نكتفي فيه باستعراض العوارض، بل سننتقل مباشرة إلى تفكيك "الخطايا الجسيمة" بالحقائق الدامغة والوقائع الحية التي لا تحتمل التأويل أو التجميل، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً... وللحديث بقية إن كان في العمر بقية.

والله من وراء القصد.

فهرس السلسلة المهنية والتقارير الاستراتيجية

التنقل المباشر عبر الأجزاء والتقارير:

© جميع الحقوق محفوظة لـ مدونة مهند الخضور