ضريبة الغفلة: مجلس إدارة مستشفى قاب قوسين من نهاية وهم الستر وبدء المحاسبة الجزء (16)


تمهيد ضروري

هذا الجزء هو تكملة مباشرة لما بدأناه من تفكيك لهيكلية الإدارة في الجزء السابق؛ حيث إنه من الصعب استيعاب فصول قصتي وما تخللها من مواجهات دون تشريح البيئة الإدارية التي كانت تحكم المشهد وتصنع أزماته من خلف الستار. وبالنسبة للدافع خلف هذه التدوينات، فيهمني التأكيد أنني لا أسعى من ورائها لأي كسب مادي، ولا أبحث عن "عرض وظيفي" أو أي منفعة شخصية مهما كان نوعها، فالحمد لله أنا في غنى عن ذلك ومستقر ولا أتطلع لشيء من أحد.   بيان إخلاء المسؤولية    والدافع الوحيد هو إيماني بأن العلم والمعرفة لا يُحصر فقط في الكتب أو القاعات الأكاديمية - رغم كونها مصادر لا غنى عنها - بل تستمد أيضاً من الخبرة العملية والتجربة التي تصقل بممارسة العمل لسنوات طويلة، وهذا ما تكرس فعلياً خلال عملي لـ 17 عاماً في القطاع الطبي، حيث تدرجت وظيفياً من موظف إلى رئيس قسم وصولاً إلى إدارة عدة دوائر؛ وهو موقع جعلني، بحكم المسؤولية، في تماس مباشر مع الإدارات العليا وفي قلب مطبخ القرار؛ واستطعت من خلال ذلك أن أرى الواقع كما هو، وأستوعب كيف تُحرَّك الخيوط وتُبنى القرارات في تلك المستويات. ولكن للأسف، في هذا المقال لن يكون هناك دروسٌ مستفادة؛ لأن الدروس المستفادة من هذا المقال تحديداً تعلمناها في المدرسة وفي الصفوف الأساسية، ومن غير المنطق أن أقوم بكتابتها هنا.

غفلة الرقابة : حين يُدار المال بمنطق "المسايرة" لا "السيادة"

إنّ ما رصدته في دهاليز هذه المنشأة تحديداً يطرح تساؤلاً جوهرياً: كيف يسمح مستثمرون يمتلكون ملايين الدنانير بأن تُقاد أصولهم نحو الاستنزاف الصامت لسنوات؟ الإجابة التي عايشتها لا تكمن في "قوة" المدير العام بقدر ما تكمن في عجز مجلس الإدارة عن ممارسة دوره الحقيقي في الرقابة والتحقق، برأيي انا لقد بدأ دمار هذه المنشأه من اليوم الأول الذي ضُربت فيه أبجديات التعيين عرض الحائط، حين أغفلوا السؤال عن ماضيه المهني وإنجازاته الفعلية وحقيقة وضعه في الأماكن التي شغلها سابقاً. و استسلم المجلس لـ "وهن التبصر" وفجوة التخصص، وارتضى لنفسه دور المتفرج أمام تقارير إنشائية شكلية وصور مطمئنة وهمية، مفضلاً الاحتفاء بـ "المدير المساير" الذي يبيعهم الأوهام والمشاريع الورقية لتبرير الخسائر المستمرة كـ "كلفة مرحلية" لا تنتهي أبداً.

سقوط هيبة القرار: مجلس إدارة يُدار بالخديعة ويُبارك فشلاً يضحكُ عليه الصغار

يقف المدير العام عاجزاً تماماً عن إدارة وتشغيل أبسط مفاصل المنشأة، فتراه يتخبط في قراراته العشوائية في إدارة الأقسام التشغيلية بين 'الضمان' و'التأجير' و'التعطيل'، لدرجة أن قسماً واحداً شهد تغيير صيغة عقده اكثر من مره في عام واحد نتيجة هذا التشتت وفقدان البوصلة،والمفارقة التي تضع مجلس الإدارة أمام مرآة الحقيقة الصادمة هي أن هذه الأقسام نفسها، وبمجرد أن تُدار من قِبَل جهات خارجية (مُتضمنين)، تحقق نجاحاً وقوة تشغيلية ومالية ملموسة(يستفيد منه المتضمن) وليس للمؤسسة؛ وهذا يثبت بالدليل القاطع أن العلة ليست في الإمكانيات ولا في السوق، بل في 'عقلية الإدارة' العقيمة التي تعجز عن تشغيل ما ينجح فيه غيرها بامتياز. والأدهى من ذلك، أن هذا الفشل يُراد ترميمه عبر استغلال 'الشركاء الفنيين' وصغار المساهمين وتحويلهم إلى مجرد أداة لضخ السيولة العاجلة وإطفاء حرائق الفشل المالي للإدارة العامة؛ فبيع الأسهم بأسعار مضخمة لهؤلاء الشركاء لم يكن يوماً شراكة حقيقية ولا إشراكاً في القرار، بل وجد هؤلاء أنفسهم شركاء في تحمل التزامات مالية وقانونية وإدارية ناتجة عن قرارات كارثية لم يشاركوا في صياغتها أصلاً ومبنية على دراسات وهمية اشرف المدير العام على صياغتها. 

​"الستر والصدفة" أمام واقع القانون

​إنّ إدارة منشأة طبية حساسة (تعنى بأرواح الناس) بمنطق "الفزعة" والرهان المستمر على "الستر والصدفة" هو مقامرةٌ غير محمودة العواقب، تتجاوز حدود الفشل الإداري لتصل إلى مصاف "الجريمة التنظيمية" بحق الاستثمار. لقد نجت المنشأة مراراً من كوارث محققة بفضل جهودٍ فردية لأطباء غيورين أو بسبب عدم دراية الجهات الرقابية بعمق الخلل، لكنّ الركون إلى هذا "الستر المؤقت" هو وهمٌ قاتل؛ فالمسؤولية القانونية لمجلس الإدارة لا تُجزأ، والشركاء في القرار هم شركاءٌ حتميون في المسؤولية أمام القضاء، شئنا أم أبينا.

​إنّ أي "حدثٍ طارئ" مستقبلي - لا قدر الله - لن يكون مجرد واقعة عابرة، بل سيكون بمثابة "السقوط" الذي سينزع قطعة القماش عن كافة الملفات المترهلة والمشاكل التي جرى التستر عليها لسنوات، لتفتح أبواب الجحيم القانوني والمحاسبة التي لا ترحم. عندها، لن يشفع للملاك غيابهم عن المشهد أو انخداعهم بتقارير "المدير المساير"، بل سيجدون أنفسهم وجهاً لوجه أمام واقعٍ مرير قد ينتهي خلف القضبان، حيث تتبخر الوجاهة وتنهار السمعة المهنية التي بنيت في عقود، لمجرد صمتهم عن إدارةٍ تقودهم نحو الهاوية وهم يظنون انهم يحسنون صنعا.

​والمصيبة الكبرى أن هذه المحاسبة لن تكون محصورة في زاوية واحدة، بل ستكشف عن شبكة معقدة من الأزمات التي تغلغلت في كافة القطاعات؛ فما جرى إخفاؤه هو مزيجٌ سام يجمع بين الفشل الطبي الفني الذي يمس الأرواح، والترهل الإداري الذي يستنزف الأصول، والتبعات القانونية الجسيمة التي تطال الجميع، في تداخل مريب يجعل من المستحيل فك خيوط هذه الملفات أو معالجتها بشكل منفرد بمجرد وقوع الفأس بالرأس.

​والأدهى من ذلك كله، أنّ جزءاً أصيلاً من هذه الكوارث لا يعود فقط لضعف الرقابة أو التغطية على الأخطاء، بل يتمثل في ممارسات وتجاوزات شخصية ومباشرة يقترفها هذا المدير بنفسه وبقرار ذاتي منه؛ أفعالٌ تجعل الخطر لا يكمن فقط فيما يُخفيه أو يفشل في إدارته، بل في كونه هو شخصياً المحرك والمسبب المباشر لأزماتٍ قانونية وأخلاقية سيجدون أنفسهم غداً مطالبين بتفسيرها أمام جهات التحقيق بصفتهم الغطاء الذي سمح بحدوثها.

فصْل الصدام: حين يفتح "القدر" أبواب الملحمة

المشاكل في هذه المنشأة لم تكن كتلة واحدة، بل كانت مستويات. المستوى الأول هو "المشاكل الروتينية العادية"، وهذه كنتُ أتولى حلها بصمتٍ تام، رغبةً في الإنجاز وطلباً لستر الله، دون أن أذكر لأحد أنني حللتُ عُقدةً أو تجاوزتُ أزمة. أما المستوى الثاني، وهي المشاكل الأكبر قليلاً، فكنتُ أعالجها بتوجيهٍ ودعمٍ مباشر من الأستاذ نافز القاروط (أبو صلاح)، الذي كان يشغل منصب المدير المالي والإداري آنذاك.
​لكن الكارثة الحقيقية كانت في "المشاكل الكبرى"؛ تلك التي يتطلب حلها صلاحياتٍ سيادية واسعة وتدفقاتٍ مالية ضخمة؛ وهنا كانت يدي مغلولة، حيث اصطدمتُ بجدارٍ صلب من عدم التعاون وغياب الإرادة في التغيير، فما كان باليد حيلة أمام دمارٍ يُطبخ على نارٍ هادئة.
​ولكن، كيف شاءت الصدف أن يُطلب مني "أنا شخصياً" توضيح هذه المشاكل؟ ومن هو ذلك الشخص من مجلس الإدارة (الملاك) الذي قرر فجأة أن يكسر حاجز الصمت ويطلب الحقيقة مني؟ كيف عرفني؟ وما هو الخيط الذي أوصله إليّ؟ وكيف تسببت محاولاتي الصادقة للإصلاح مع أصحاب الشأن أنفسهم في اندلاع "الملحمة الكبرى"؟ والسؤال الأهم: كيف، ورغم وقوفهم على حافة الهاوية ووضوح الحقيقة كشمس النهار، أخذتهم العزة بالإثم ليقامروا بما تبقى من أصول وسمعة مقابل حماية إدارة مهترئة؟

​انتظروني في الأجزاء القادمة.. حيث النار والشرار، وأحداثٌ صادمة ستنزع ما تبقى من أقنعة، وتضعكم في قلب المواجهة التي زلزلت الأركان وعرّت المستور... 

فهرس السلسلة المهنية والتقارير الاستراتيجية

التنقل المباشر عبر الأجزاء والتقارير:

جميع الحقوق محفوظة © مدونة مهند الخضور