
المحطة الاولى: مكالمة البداية.. "خلي مهند يجيني
لم تبدأ الرحلة باتصال مباشر معي؛ فقد كان هناك فارق عمري بيني وبين ابن عمتي أيمن المعيني حال دون وجود احتكاك سابق. بدأت الشرارة باتصال من أيمن بهاتف والدي (خاله) "النوكيا"، يخبره بوجود فرصة للعمل. قال لوالدي بوضوح: "خلي مهند يجيني على مكة مول". كانت تلك الدعوة هي أول درجة في السلم المهني، وهي اللحظة التي تستوجب اليوم تحية شكر وعرفان لأيمن المعيني؛ فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله، وقد كان هو الرجل الذي وضع قدمي على أول الطريق.
المحطة الثانية: تيهٌ في صرح "الكردي"
وصلتُ إلى مكة مول، ذلك العملاق الإسمنتي الذي كان يمثل ذروة الحداثة في عمان آنذاك. استغرقتُ عشرين دقيقة من الملاحة بين الممرات الرخامية والمصاعد الكهربائية الصامتة بحثاً عن "التوسعة" حيث مقر الإدارة. كان شعور الضياع وسط هذا الصرح اختباراً أولياً لثباتي النفسي، بينما كان أيمن المعيني بانتظاري بروح الموجه الذي يختبر سرعة وصولي.
المحطة الثالثة: الاستجواب الأمني.. مواجهة "سعد وأبو مشعل"
في مكتب الإدارة، وجدتُ نفسي أمام "ثنائي السلطة": سعد دودخ (أبو عبيدة)؛ مدير الأمن والحماية بملامحه المخابراتية الصارمة، وعبد الجواد عباد (أبو مشعل)؛ مدير العمليات بنظرته الثاقبة. ساد صمتٌ ثقيل قطعه سعد بنظرة فاحصة، كانت تقول بوضوح: "أنت أصغر من أن تحمل هيبة هذا المكان". عندما طلبتُ العمل المسائي بسبب الجامعة، شعرتُ برغبة الإدارة في التملص؛ فالميدان في عام 2006، بظلاله الأمنية الحذرة، لم يكن مكاناً سهلاً للطلاب.
وهنا أوجه تحية شكر وتقدير لسعد دودخ (أبو عبيدة)؛ ورغم صرامته، كان هو البوابة التي دخلتُ منها لعالم الانضباط.
المحطة الرابعة: المنفى في "الباركينغ"
بواسطة أيمن المعيني وبصعوبة بالغة، تم قبول التحدي، ولكن "تحت الاختبار" وفي أشق المواقع: الباركينغ الداخلي. تلاشت أحلامي برؤية نفسي بالزي الأسود الفاخر على البوابات الرئيسية، ووجدتُ نفسي "منفياً" إدارياً إلى طوابق المواقف المظلمة، حيث يمتزج صرير الإطارات برائحة الكربون وضجيج المحركات.
المحطة الخامسة: هندسة الصمود و"باص المؤسسة"
بدأت رحلة الـ 170 ديناراً، وهو مبلغ كان يحمل بريق الاستقلال المادي. كانت المعاناة تكمن في المسافة؛ "باص المؤسسة" الكبير والبطيء كان وسيلة نقلي الوحيدة من الجامعة إلى المول. ساعة كاملة يومياً أقضيها مراقباً لعمان من خلف الزجاج، قبل أن أصل في الثالثة عصراً لأواجه المشرفين شادي البطاينة وبسام عربيات (رحمه الله). استلمتُ الزي الرسمي، وبسبب بنيتي الصغيرة آنذاك، كان عليّ "هندسته" وتصغيره ليناسب جسدي دون أن يفقد هيبته.
المحطة السادسة: غرفة السيطرة.. معمودية النار
في "غرفة السيطرة" (Control Room)، حيث تضج الشاشات بالحركة، واجهتُ سخرية الزملاء القدامى. كنتُ بالنسبة لهم "الغريب الصغير"، لكن صرامة شادي وبسام قطعت الطريق على المتنمرين. وُضعتُ في الميدان بمهام محددة: اليقظة الأمنية، ومنع "الزعرنة"، وتنظيم اصطفاف السيارات بمليمترية تمنع الاختناق.
المحطة السابعة: سيادة "أصح الصحيح" في الظلام
كانت الإدارة تمنع الجلوس تماماً؛ ثماني ساعات من الحركة المتواصلة في كراجات تخلو من أي كرسي. اعتمدتُ مبدأ "أصح الصحيح"؛ لم أقبل بأنصاف الحلول، ورفضتُ أي تهاون في اصطفاف المركبات. كنتُ أعود للبيت بجسد محطم، لدرجة أن "دكاترة الجامعة" كانوا يتغاضون عن غيابي الصباحي تقديراً لكفاحي المهني.
المحطة الثامنة: نداء اللاسلكي ومعركة الباب الغربي
بعد شهرين من الصمود، اخترق صوت بسام عربيات (العرعير) اللاسلكي بنداء حاد نطق فيه اسمي كاملاً: (يا مهند الخضور.. مهند.. لاقيني على الباب الغربي). كان "الباب الغربي" (بوابة 2) هو الجبهة المشتعلة؛ حيث المطاعم والسينمات وازدحام العائلات. هناك، برزت هيبتي الميدانية؛ كنتُ أمنع بمفردي دخول عشرات الشباب لضبط إيقاع المكان، وأدير زحام التكاسي والسيارات بصرامة لافتة أمام الكاميرات. في ذلك اليوم، طُويت صفحة الكراج الداخلي، وأصبحتُ "كبير الباب الغربي".
المحطة التاسعة: التحول لمرجع ميداني ولقب "فرخ البطاينة"
تغيرت موازين القوى؛ فأصبحتُ أقدم الموظفين خبرة نتيجة "الإحلال الوظيفي" العالي. انتقل شادي للقيادة المسائية الشاملة، وأصبحتُ أنا "موظف الأمن الجوال"، العين التي تراقب المول بكامله. في هذه المرحلة، وبسبب قربي المهني الشديد من المشرف شادي البطاينة واعتماده المطلق عليّ في تنفيذ المهام الصعبة، أطلق عليّ الزملاء لقب "فرخ البطاينة"؛ وهو لقب كان يعكس حجم الثقة الإدارية التي انتزعتها. كل الشكر لشادي البطاينة الذي كان معلماً لي في الميدان.
المحطة العاشرة: ذروة الإشراف ورفقة فادي عطا
قبل تخرجي، وصلتُ لرتبة مشرف الشفت المسائي والليل. قدتُ العمليات في مواسم رمضان والأعياد، حيث كنا "نسبح" حرفياً بين الزحام. في تلك الفترة، كسبتُ ثقة الملاك من "آل الكردي" شخصياً، وأصبحتُ فرداً من عائلة مكة مول الكبيرة، محاطاً بصداقات صلبة، وعلى رأسهم صديقي العزيز فادي عطا، الذي كان رفيق تلك الدرب المليئة بالتحديات والذكريات الجميلة.
المحطة الختامية: الاستقالة المرة.. ضريبة الطموح
تخرجتُ من الجامعة، وحضر احتفالي في الحارة "خمس سيارات" من عمالقة أمن المول في مشهد مهيب. وقفتُ أمام خيارين: الراتب المجزي أو البدء في مسيرة إدارية تليق بشهادتي الجامعية. غادرتُ مكة مول بعد 3 سنوات صهرت معدني، ومثقلة بضريبة الانفتاح الاجتماعي المتسارع بسبب شبكة العلاقات الواسعة؛ وهي مرحلة قاسية لكنها صقلت الشخصية الرقابية قبل خوض غمار مرحلة جديدة قادمة.
