هندسة الذات.. مهند الخضور ما وراء الميدان الجزء (5)


مهند الخضور مع ابنته زينة - الجزء الخامس من مذكراته المهنية


هذا الجزء من قصتي يختلف عن كل ما سبق؛ ولن يشبه ما سيلحق به من أحداث فهو ليس رصداً لمحطات أو مواجهات في العمل، بل هو حديث صريح عن مرحلة "إعادة التكوين" وإعادة بناء شخصيتي.. . في هذا الفصل، سأشرح ببساطة كيف تحولتُ من تلك الشخصية الحادة التي لا ترى إلا الأنظمة الصماء إلى شخص يدرك أن سر النجاح هو التوازن بين دقة العمل وبين التعامل بروح إنسانية مع الجميع، أدركتُ بوضوح أن النجاح الحقيقي هو "الأثر" الذي ألمسه في عيون الناس والدعاء الصادق الذي أسمعه منهم نتيجة تسهيل معاملاتهم، وهذا الأثر عندي اليوم أثقل في الميزان من كل تقارير الإنجاز الورقية.

السند الحقيقي: علاقتي بوالديّ

​إن جذور استقراري النفسي والمهني نابعة من علاقة مميزة جداً مع والديّ -أمد الله في عمر والدتي ورحم والدي-. بفضل قرب العمر بيننا، لم تكن علاقتنا مجرد "بر والدين" تقليدي، بل كانت "صداقة عميقة" واعتزازاً متبادلاً. وقد يظن البعض أن الحديث عن 'دعاء الوالدين' وأثره هو مجرد كلام مستهلك أو جمل إنشائية نكررها تقليدياً، لكنني هنا لا أتحدث بفلسفة أو تنظير؛ بل أرصدُ حقيقة واقعة وعاملاً أساسياً كان هو السبب الفعلي والمباشر لكل استقرار وصلتُ إليه في عزّ الأزمات. كنتُ أجد في ثقة والدي بي وقوداً لمواجهة أصعب التحديات، وفي دعاء أمي المستجاب الأمان الذي يفتح لي كل الأبواب المغلقة قبل أن اطرقها. 

التوافق الاجتماعي والسكينة

​كان زواجي من ابنة خالي "هشام" الذي اشبهه كثيرا بصفة 'الحقانية بلهجتنا' اي لا مكان للمجاملة عندنا على حساب العدل أو المبادئ،،، خطوة مفصلية في تعزيز استقراري النفسي؛ فالإختيار من بيئة أفهمها وتفهمني تماماً وفّر عليّ عناء الصدامات التي قد تنشأ من اختلاف الأطباع.  فهدوء زوجتي ورجاحة عقلها جعل بالي أطول وروحي أصفى، ومنحني القدرة على احتواء المشاكل المهنية ببرود أعصاب بدلاً من التصادم معها

نقطة التحول: حزيران 2015

​في شهر حزيران من عام 2015، دخلت حياتي أميرتي الأولى "زينة"، لتكون نقطة التحول الأهم في مساري. . مع "زينة"، تغيرت نظرتي لكل شيء؛ لم يعد الشغل مجرد وظيفة، بل أصبح التزاماً تجاه المستقبل. زادت محبتي للحياة وصار هدفي أن أسهّل حياة الناس وأكون "الحل" لمشاكلهم لا "العقبة"؛ فكل مراجع أو مريض أقابله صار يذكرني بعائلة تنتظر عودة غاليها بسلام، تماماً كما أنتظر أنا "زينة".

رسالة إلى "الثائرين" في البارود المهني

​أعلم أن الكثيرين في بداية مسيرتهم تسيطر عليهم "حمية النتائج" والحدة في تطبيق الأنظمة، وهذا الجزء من قصتي قد يختصر عليهم سنوات من التخبط. فالحكمة التي وصلتُ إليها هي أن "اللين لا يعني التراخي"؛ فبإمكانك أن تلتزم بـ "سياسة الخطأ الصفري" وبأعلى معايير المهنية، ولكن بروح أنقى ونفس أهدأ . وان سر السعادة هو خدمة الناس بنفسٍ راضية، ودون أن يشعروا يوماً بأنَّ الوقوف معهم ثقيلٌ عليّك وتجعل من سلطتك أداة لتسهيل حياتهم… أصبح عندي البحث عن 'مخرج يصحح المسار'، أهـم بكثير من البحث عن 'مبرر لإيقاع العقوبة. 

خاتمة الجزء الخامس: ولادة الهوية الجديدة

​بانتهاء هذا الفصل، أكون قد طويت صفحة الشخصية المندفعة لأبدأ فصلاً جديداً من الحكمة والاتزان. لم يعد "مهند الخضور" مجرد إداري صلب، بل انصهرت تلك الصلابة في روح الأبوة والمسؤولية. أخرج من هذه المرحلة بشخصية جديدة، بملامح أهدأ، وبقلب يحمل اللقب الأغلى على قلبي.. لقد وُلدتُ من جديد، وأصبحتُ: "أبو زينة".

 وهذه الروح الجديدة هي التي ستقود خطاي في الميدان من جديد، حيث لا تزال هناك قصصٌ لم تُروَ، وحِكَمٌ أعمق سأشارككم إياها في ثنايا الأجزاء القادمة... 

فهرس السلسلة المهنية والتقارير الاستراتيجية

التنقل المباشر عبر الأجزاء والتقارير:

جميع الحقوق محفوظة © مدونة مهند الخضور