![]() |
| مهند الخضور على مكتبه في مستشفى ابن الهيثم - فترة استلام إدارة دائرة التأمين (2014-2015) |
تنويه إداري:
بناءً على طبيعة الأحداث في هذه المرحلة، ننتقل من أسلوب "المحطات" الرقمية المنفصلة إلى أسلوب "السرد القصصي المتصل"؛ نظراً لتشابك السياقات الإدارية وتداخل الملفات التي لا يمكن حصرها في أرقام جامدة، حيث تصبح القصص هي الوعاء الأنسب لتوثيق التجربة.
الفراغ القيادي ومقامرة "الاستقالة التكتيكية"
في نهاية عام 2014، شهدت دائرة التأمين الطبي منعطفاً إدارياً حرجاً؛ حيث قدمت مديرة الدائرة آنذاك استقالتها المفاجئة بدافع الانتقال إلى فرصة أخرى. بُني هذا القرار على تقدير خاطئ لـ "القيمة الاستراتيجية" الفردية، حيث كان الرهان قائماً على دفع الإدارة التنفيذية لتقديم عرض مالي مضاد (Counter-offer) للبقاء براتب أفضل. إلا أن الإدارة اتخذت قراراً مغايراً بقبول الاستقالة فوراً، مما كشف عن فجوة حادة في "خطط التعاقب الوظيفي" (Succession Planning)؛ إذ غادرت المديرة دون ترشيح أي خلف لها، متبنيةً رؤية مفادها أن الكوادر الموجودة لا تصلح للقيادة، مما وضع المؤسسة أمام تحدي الاستمرارية التشغيلية في دائرة تأمينات كبرى بحجم مستشفى ابن الهيثم
نموذج الإدارة الهجين: التكامل الإداري والفني
لمواجهة هذا الفراغ، كُلفتُ بقيادة الدائرة بالشراكة مع زميلة صيدلانية قديرة (أكنّ لها كل الاحترام). مثّل هذا التكليف نموذجاً لـ "الإدارة الثنائية" التي تدمج بين تخصصين:
الجانب الإداري والتعاقدي: توليتُ مسؤولية هندسة الموافقات الطبية، وإدارة العلاقات الاستراتيجية مع شركات التأمين.
الجانب الفني والتدقيقي: تولت الزميلة مهام تدقيق الفواتير وتصدير المطالبات المالية.
رغم التوترات الطبيعية التي تفرضها بدايات العمل المشترك، إلا أننا نجحنا في تحويل "تداخل الصلاحيات" إلى "تكامل وظيفي"، مما أثبت أن الكفاءة الإدارية تُصقل بالقدرة على ضبط العمليات (Operations Management) وتحقيق النتائج، بعيداً عن حصر المهام في قوالب أكاديمية جامدة.
الزلزال الإداري وعصر "الاضطراب المؤسسي"
في منتصف عام 2015، دخلت المنشأة مرحلة من "عدم الاستقرار الهيكلي" إثر تغييرات كبرى طالت مراكز الثقل وصناع القرار. لم تكن مجرد تغييرات روتينية، بل إعادة صياغة كاملة للمشهد القيادي، مما أدى إلى:
اهتزاز الثقافة المؤسسية: تسلل القلق إلى الكوادر البشرية بعد سنوات طويلة من الاستقرار.
رواج "اقتصاد الإشاعات": انتشار سيناريوهات حول تصفية الكوادر أو تغيير الملاك، مما أربك المشهد العام.
ظهور "انتهازيي الأزمات": بروز فئة من الموظفين تحاول استثمار حالة الفوضى للظهور الشخصي أو التملق للإدارات الجديدة، مما خلق بيئة عمل مشحونة بالتوجس والتحفز
سيكولوجية الانتهازية: مواجهة "الموظف الحربائي"
في الأزمات المؤسسية، يظهر ما يُعرف بـ "الموظف الحربائي"؛ وهو الذي يتخلى عن الولاء الفني للمؤسسة ليبحث عن "تموضع استراتيجي" بجانب القوى الجديدة. مواجهة هؤلاء لا تكون بالصدام، بل بـ "الصمت الإجرائي"؛ أي الاستمرار في تقديم نتائج رقمية لا يمكن دحضها، وهو ما يفرض احترامك على الإدارة الجديدة قسراً لا طوعاً.
صمام الأمان الإداري: فن المناورة بين "الأجندات" والمصلحة
وسط هذا التخبط، برزت شخصية "المدير المالي" (السيد نافز القاروط) كقائد للمرحلة الانتقالية وحائط صد أمام الانهيار الإداري. ولم يكن مجرد مدير مالي تقليدي، بل كان "ميزان القوى" الذي أدار المشهد بذكاء حاد، وهو الشخصية التي ستشكل محوراً رئيسياً في أجزاء هامة وقادمة من هذه المذكرات، وفي ميادين عمل أخرى.
اتسم نهجه بـ "الرصانة القيادية" والقدرة الفائقة على التوازن الحرج وحقق ذلك من خلال:
فلترة القرارات المبطنة: كان يمتلك مهارة "الترجمة الاحترافية" لقرارات الإدارة التنفيذية؛ فما كان يصب في مصلحة المستشفى يُنفذ بدقة، أما القرارات التي تحمل آثاراً سلبية، فكان يعمل على تحييدها بذكاء إداري دون الصدام المباشر أو التسبب بأزمة إضافية.
إرساء مبدأ "الجدارة أولاً": وضع حداً لـ "صيادي الفرص" وحماية الكفاءات التي أثبتت ولاءها للمؤسسة (لا للأشخاص).
الدعم الاستراتيجي: وفر لي وللقسم الغطاء اللازم للاستمرار، حيث كان يدرك أن استقرار "دائرة التأمينات" هو عصب الاستدامة المالية للمستشفى.
فلسفة إدارة المرحلة (منهجية الأستاذ نافز):
إن عبقرية الإدارة المالية في الأزمات تكمن في 'امتصاص الصدمات الإدارية'؛ فالمدير المالي الناجح هو من يدرك أن حماية 'الكفاءة البشرية' هي حماية لأصول المؤسسة المالية على المدى البعيد، كما أن 'الفلترة الذكية' للقرارات العشوائية هي أعلى درجات الأمانة المهنية."
لقد كان بمثابة الأخ والمدير والصديق، ومدرسته في الإدارة القائمة على "العدالة المجردة" والعمل الصامت ذو الأثر العميق، كانت هي النواة لشراكة مهنية ستمتد لسنوات ومواقع أخرى سنأتي على ذكرها لاحقاً.
خلاصات استراتيجية وومضات مهنية:
فخ "البديل الصفر": الاعتقاد بأنك غير قابل للاستبدال هو مقامرة خاسرة؛ فالمؤسسات الكبرى تفضل أحياناً تحمّل اضطراب مؤقت على الرضوخ لضغط الابتزاز المالي.
هندسة التعاقب الوظيفي: القائد الحقيقي هو من يترك خلفه "نظاماً" يعمل، وليس "فراغاً" ينهار؛ فالفشل في ترشيح بديل هو فشل في القيادة ذاتها.
سيادة المنطق الإداري: الإدارة مهارة "نتائج" وليست مهارة "تخصص"؛ نجاح كادر من خلفية غير طبية في إدارة قطاع طبي هو إثبات أن الأنظمة الإدارية الصارمة تتجاوز القوالب الأكاديمية.
التمترس خلف الكفاءة: في فترات "الزلزال الإداري"، الأمان الحقيقي لا يكمن في الاختباء خلف الأشخاص، بل في التمترس خلف "جودة مخرجاتك" ولغة الأرقام التي لا تكذب.
القائد "الفلتر": القائد الناجح ليس منفذاً آلياً للقرارات، بل هو مصحح للمسار؛ قدرته على "تعطيل القرارات الكارثية" بهدوء وذكاء هي التي تنقذ المؤسسة من الانهيار.
بوصلة الولاء: في بيئات العمل، الولاء للأشخاص زائل، والولاء للمؤسسة (الكيان) هو الاستثمار المهني الوحيد الذي يحمي مستقبلك عند تغير الوجوه القيادية
