هندسة المسار الموازي.. (سلطة المياه ولحظة القرار الاستراتيجي) الجزء (6)

 

مهند الخضور مع القائد والأب الروحي شاهر العبادي في سلطة المياه.
صورة تجمعني بالاستاذ شاهر العبادي علاقة تجاوزت حدود الوظيفة لتصبح رابطة أسرية مبنية على الوفاء والتقدير

​في عام 2010، وقفتُ أمام مفترق طرق سيحدد ملامح مستقبلي المهني لسنوات طويلة. كنتُ قد حققتُ استقراراً جيداً في القطاع الطبي الخاص، وفي تلك اللحظة تحديداً، صدر قرار تعييني في سلطة المياه (وزارة المياه والري).

​1. لحظة التعيين: من "مشروع استقالة" إلى "حل إداري"

​كان التفكير الأول هو تقديم الاستقالة من المستشفى للتفرغ للوظيفة الحكومية، التزاماً بالمسار التقليدي. ولكن، هنا برزت المرونة الإدارية التي أعتز بها في مؤسستي؛ فبدلاً من خسارة الخبرة الميدانية، وبعد مراجعة تقنية لنصوص قانون الخدمة المدنية من قبل المختصين في السلطة، تم إيجاد المخرج القانوني والتشغيلي الأمثل.
​لقد تأسس في تلك الفترة "قسم الشكاوى" حديثاً في وزارة المياه والري/ سلطة المياه، وهو قسم يعمل بنظام الـ 24 ساعة لمواجهة الضغط الهائل والمتزايد. وبناءً على حاجة العمل، تم منحي كتاب موافقة رسمي للعمل في القطاع الطبي الخاص صباحاً، على أن يكون دوامي الرسمي في السلطة خلال الفترة المسائية.
هذا الكتاب لم يكن مجرد ورقة؛ بل كان 'شهادة ثقة' ومسؤولية مضاعفة. بدأتُ حينها مرحلة الاحتراق المنظم: 16 ساعة عمل يومية، مقسمة بين دقة الأنظمة الطبية صباحاً، وحل معضلات الجمهور في 'بيت الشكاوى' مساءً. لم تكن هذه المرحلة لجمع المال فحسب، بل كانت 'مختبراً مكثفاً' لفهم الفوارق الجوهرية بين خدمة العميل (Customer Service) في الخاص، وخدمة المواطن (Public Service) في العام."

​2. مدرسة "شاهر العبادي": ما وراء الوظيفة.. (الأب والصديق والقائد)

​في أروقة سلطة المياه، وتحديداً في ذلك القسم المشتعل بالشكاوى والضغط الجماهيري، التقيتُ بالأستاذ شاهر العبادي. لم يكن العبادي بالنسبة لي مجرد مدير مباشر، بل كان القائد الذي احتضن طموحي منذ اللحظة الأولى.
كان لشاهر العبادي الفضل الأكبر في صقل الشخصية الفنية التي أتمتع بها اليوم؛ فمن خلاله تعلمتُ كيف تُدار الأمور في المؤسسات الكبرى، وكيف يمكن فهم "النظام الحكومي" والتعامل مع شيفراته المعقدة. ومع مرور الوقت، تجاوزت علاقتنا حدود المكاتب؛ فرغم فارق السن، إلا أن روحه الشبابية جعلت منه الصديق المقرب والأخ الكبير، بل وأصبح جزءاً غزيراً من حياتي الشخصية، يعرف أهلي وبيتـي، وأكنّ له محبة خالصة وتقديرًا يشبه تقدير الابن لأبيه. تحت إشرافه، تعلمتُ أن الإدارة الناجحة هي "مزيج" من الحزم المهني والاحتواء الإنساني، ورغم تقاعده منذ سنوات، إلا أن مدرسته تظل البوصلة التي توجهني

​3. حصاد "المدوبلة": 16 ساعة من الإنتاجية


​تحولت حياتي إلى نظام تشغيلي صارم؛ 16 ساعة يومياً من العمل المتواصل. صباحاً في المستشفى أتعامل مع دقة الأنظمة الطبية، ومساءً في سلطة المياه أواجه ضغط الشكاوى وأعمل على فهم وحل معضلات المواطنين.
هذا "الازدواج المهني" منحني رؤية مزدوجة؛ فصرت أطبق معايير السرعة والكفاءة في القطاع الخاص على عملي الحكومي، وأطبق معايير الانضباط وفهم الأنظمة الحكومية التي اكتسبتها في السلطة على عملي الخاص. لقد كان الفضل في هذا التوازن لوزارتي التي آمنت بالموظف المنجز، وللقائد الذي آمن بالشباب وأصبح ركناً في حياتي

 دروس الميدان:

الغطاء القانوني هو خط الدفاع الأول: لا يكفي أن تكون مجتهداً؛ النزاهة المهنية تتطلب "المشروعية". الحصول على موافقة رسمية (كتاب موافقة) هو ما يحول العمل المزدوج من "عبء مخفي" إلى "مسار شرعي" يمنحك القوة والوضوح أمام مرؤوسيك والأنظمة الرقابية.
قسم الشكاوى.. مختبر تحليل الأنظمة: العمل في خط المواجهة مع الجمهور ليس مجرد وظيفة خدمية، بل هو "مختبر تقني" لفهم فجوات الأداء. من خلاله تتعلم كيف تفكر المؤسسة، وكيف يدار الضغط، وكيف تتحول المشكلة العشوائية إلى حل إداري مهندس.
الولاء المهني يُبنى بالثقة لا بالأوامر: الشخصيات القيادية (كالأستاذ شاهر العبادي) تثبت أن "الاحتواء الإنساني" هو المحرك الحقيقي للأداء الفني. عندما يمنحك القائد ثقته المطلقة، فإنه يضعك أمام مسؤولية مضاعفة لتثبت أنك على قدر هذا الرهان.
التلقيح المهني بين القطاعين: الازدواجية المهنية المنظمة تمنحك "رؤية بانورامية"؛ فأنت تأخذ كفاءة القطاع الخاص وسرعته لتطوير العمل الحكومي، وتستثمر انضباط وهيبة النظام الحكومي لضبط إيقاع عملك في القطاع الخاص.
العلاقات العابرة للرتب: الفارق في السن أو المنصب لا يمنع بناء شراكات إنسانية ومهنية صلبة. الصداقة التي تقوم على "التقدير المتبادل" هي القيمة المضافة التي تبقى بعد سنوات من التقاعد أو تغيير المواقع.

لكن.. هل تستمر المثالية في الموازنة بين عالمين متناقضين للأبد؟
الأجزاء القادمة فيها الجواب على ذلك

فهرس السلسلة المهنية والتقارير الاستراتيجية

التنقل المباشر عبر الأجزاء والتقارير:

جميع الحقوق محفوظة © مدونة مهند الخضور