المباشرة والتشخيص الأول: هيكلٌ بلا بوصلة
في الأول من آذار لعام 2021، تسلمتُ مهامي كمدير لدائرة التأمينات في هذه المنشأة التخصصية الناشئة، والتي كانت صورتها الأولية تشير إلى ارتكازٍ أساسي على عيادات العيون وجراحات اليوم الواحد (Day Case)، إلا أنني وبمجرد دخول الغرف المغلقة ومراجعة الهياكل التشغيلية، اصطدمتُ بتساؤلاتٍ كبرى حول جدوى استنزاف الموارد في أقسام جانبية كـ (الجلدية، الأسنان، وتنظير الجهاز الهضمي) في ظل أداءٍ 'خجول' وتدفق مرضى يكاد لا يُذكر، حيث كشفت لغة الأرقام التي لا تجامل أن الكلف التشغيلية لهذه الأقسام تفوق إيراداتها بأضعاف، مما وضعني أمام نقدٍ إداري صريح بأن إنشاء أقسامٍ دون دراسة جدوى حقيقية أو استراتيجية استقطاب واضحة ليس إلا 'نزيفاً مالياً' مُقنّعاً يرهق كاهل المنشأة ويشتت الجهود في معارك خاسرة؛ ليتولد في داخلي، رغم رصيدي المهني الذي تجاوز آنذاك 12 عاماً، إحساسٌ غريبٌ بالغربة الوظيفية جعلني أتساءل بصدق: هل فقدتُ مرونتي في التأقلم مع التغيير، أم أن خبرتي في المؤسسات المنظمة جعلتني عاجزاً عن استيعاب 'الفوضى' في مكانٍ لا يشبه في بروتوكولاته أي منشأة طبية رصينة عرفتها من قبل.
تشريح المكان: "بوتيك طبي" بصبغة إدارية هجينة
لكي تكتمل الصورة في ذهن القارئ، لم تكن هذه المنشأة تشبه الصروح الطبية الكبرى بممراتها المزدحمة وضجيج طوارئها الذي لا يهدأ، بل كانت مصممة لتكون 'مركزاً طبياً تخصصياً' (Boutique Hospital)؛ غلب عليها طابع الفخامة والهدوء، وتمركزت قوتها في تكنولوجيا جراحة العيون الدقيقة. كان المكان يوحي بالاحترافية من النظرة الأولى، عيادات مجهزة بأحدث ما توصل إليه العلم، وغرف عمليات مخصصة لـ 'جراحات اليوم الواحد' تُغلق أبوابها مع حلول الرابعة عصراً، في نموذجٍ تشغيلي يبتعد كلياً عن تعقيدات 'المبيت' أو 'الحالات الطارئة' الكبرى. ولكن، خلف هذا البريق التقني والهدوء الظاهري، كان هناك فراغٌ تنظيمي مهول؛ فالمكان الذي صُمم ليكون نخبوياً، كان يفتقر لأبسط الأنظمة التي تربط الدوائر ببعضها، مما جعلها جزراً معزولة تُدار بعقلية 'المياومة' لا 'المؤسسة'، حيث تجد أجهزة بآلاف الدنانير في أقسام الجلدية والأسنان وحتى العيون معطلة وظيفياً لغياب الرؤية التسويقية والتشغيلية، مما جعل الفجوة بين 'الفخامة البصرية' و'الواقع الإداري' تتسع يوماً بعد يوم.
ملف التأمينات: تركةٌ ثقيلة وصراع الأنظمة
عندما غصتُ في أعماق ملف التأمينات، لم يكن هدفي البحث عن 'عثرات' من سبقني، بل كان تشخيص الواقع بكل تجرد. والشهادة التي يمليها الضمير المهني هنا هي أن المدير السابق قد وضع لبناتٍ تأسيسية صحيحة وحاول بناء قاعدة صلبة، إلا أن الرياح الإدارية لم تأتِ بما تشتهي سفن التنظيم؛ حيث اصطدمت تلك المحاولات بعائقٍ تقني وتشغيلي كفيل بإفشال أي منظومة، إذ عانت المنشأة من تخبطٍ واضح في القرارات الاستراتيجية العليا، تمثّل في تغيير 'النظام البرمجي والمحاسبي' مرتين في أقل من سنتين بناءً على رؤى إدارية علوية متضاربة، وهو عبثٌ تنظيمي يؤدي حتماً إلى تشتت البيانات وضياع المرجعية المحاسبية، ويجعل من مهمة أي مدير مالي أو إداري ضرباً من المستحيل،ولم أكن أدركُ حينها أن هذا التخبط لم يكن إلا عَرَضاً لمرضٍ إداري أعمق لم تظهر ملامحه لي في تلك البدايات، وهو 'ثقافة الولاءات والأهواء' التي كانت تنمو بصمت في أروقة الإدارة التنفيذية العليا للمنشأة خلف ستار الفخامة البصرية، لتكشف عن نفسها لاحقاً كعائقٍ أساسي أمام أي نهجٍ مؤسسي
لقد كانت المهمة أثقل مما يتخيل أي مراقب؛ فبين اتفاقيات ورقية لا تجد لها صدىً على النظام الجديد، وبين شركات تأمين كبرى ومؤثرة لم تكن 'معتمدة' أصلاً في قائمة المنشأة، وجدتُ نفسي أمام شبكة معقدة من المشاكل الفنية والمالية والتعاقدية. ومن باب الأمانة المهنية والحفاظ على سرية البيانات التي اؤتمنتُ عليها، سأمتنع عن سرد التفاصيل الدقيقة لهذه التحديات لكي لا تُستغل كثغرات من قبل جهات دفع النفقات الطبية سواء شركات تأمين أو غيرها، وهنا وجب التأكيد، إنصافاً للواقع، أن الفريق الإداري والمالي الذي عاصر تلك المرحلة لا يتحمل أدنى مسؤولية عن هذا الترهل حيث أن المسؤولية الكبرى هنا تقع على عاتق 'النهج الإداري العام' الذي فضل السيطرة على حساب الاستقرار.
وبفضل الله، ثم بفضل الاشتباك المباشر مع الملفات، تمكنا من فك هذه العقد وإيجاد حلول جذرية لمعظم تلك الأزمات في وقت قياسي لم يتجاوز الثلاثة أشهر، لنعيد لبوصلة التأمينات اتجاهها الصحيح.
دروس مستفادة من الميدان (الخلاصات العملية):
حاسة الخبير هي رادارك الأول: عندما يستشعر صاحب الخبرة "نشازاً" في الهيكل التنظيمي منذ اللحظة الأولى، فالمشكلة نادراً ما تكون في "ضعف التأقلم"، بل هي جرس إنذار مبكر يكشف "عقم النظام" وتخبطه.
البيانات هي الحصن المنيع: في بيئات العمل "الهجينة"، الأرقام والبيانات هي لغتك الوحيدة التي لا تُقهر. "الاشتباك المباشر" مع الأرشيف وفك شيفرة الاتفاقيات هو السبيل الوحيد لإيقاف النزيف المالي الذي تسببه العشوائية الإدارية.
النزاهة المهنية قبل المكاسب الشخصية: انتقاد "النهج الفاشل" لا يعني اغتيال الشخصيات. إنصاف الزملاء وتبرئة ساحة الفريق التنفيذي من قرارات "فوقية" لم يصنعوها هو قمة الفروسية الإدارية، وهو ما يمنح نقدك ثقلاً ومصداقية تتجاوز حدود المنشأة.
فخ "الفخامة البصرية": لا تنخدع بالأجهزة الحديثة والديكورات الفاخرة؛ فالمنشآت الطبية تنجح بالعقول والأنظمة الرصينة، أما الرخام والزجاج فما هي إلا غطاء قد يستر خلفه فجوات تنظيمية قاتلة.
الخاتمة: "هدوء ما قبل العاصفة"
أتممتُ المهمة 'المستحيلة' في وقتٍ قياسي، وأعدتُ لبوصلة التأمين هيبتها المفقودة في ثلاثة أشهر من العمل الميداني الشاق، وظننتُ لوهلة أن الإنجاز الرقمي والشفافية الإدارية هما غاية المُراد لكل صاحب قرار. لكنني كنتُ واهماً؛ ففي الغرف المظلمة للإدارة التنفيذية العليا، كانت 'خلايا الولاءات' تتحرك بصمت، والنجاح الذي حققته بدأ يتحول في أعينهم إلى 'تهديد' يمزق ستار المناطق الرمادية التي يعيشون فيها. عندما تُصبح الشفافية خطراً على 'أصحاب الحظوات'، وعندما يرتجف 'رأس الهرم' من قوة المنطق المهني، اعلم أن الصدام لم يعد مجرد احتمال، بل أصبح قدراً محتوماً.. فكيف تحول النجاح إلى تهمة؟ ومن هم 'جنود الظل' الذين بدأوا بحياكة خيوط الجاسوسية حولي؟"
هذا ما سنكشفه في الجزء القادم.. ترقبوا "سقوط الأقنعة".
