مقدمة:
بعد مراجعة دقيقة لما تم نشره في المحطات السابقة، توقفتُ ملياً عند جدوى الاستمرار في سرد التفاصيل المهنية المتبقية. كان تقديري الأوليّ أن الرسالة الجوهرية الموجهة للكوادر الناشئة في سوق العمل قد وصلت بالفعل، وأن ما تبقى من أحداث قد يُصنف كـ "سرد شخصي" أو يُفسر خارج سياق الفائدة المعرفية، خاصة فيما يتعلق بآليات التعامل مع الشخوص والمؤسسات التي تقاطعت مع مساري المهني، مما قد يفتح باباً للتأويل حول أهداف المدونة بين المدح والانتقاد إلا أن التفاعل غير المتوقع وحجم المتابعة من الزملاء والمقربين ممن عملت معهم، كانا المحرك الأساسي لاستكمال هذه السردية فقد أثبتت التجربة أن "المصداقية الواقعية" هي العملة الأكثر رواجاً وتأثيراً في فضاء يعج بالكتابات الإنشائية، مما فرض عليّ مسؤولية أدبية لإتمام هذا التوثيق رغم اعتقادي المسبق بأنه يستهدف فئة محدودة.
وقبل الاسترسال في المحطة القادمة، يجب أن يُفهم جيداً ومن باب النزاهة المطلقة، أن هذا السرد لا يستهدف تحقيق أي مصالح شخصية أو تسويقاً لفرص عمل جديدة؛ فأنا لا أبحث عن إعجاب أحد أو عرض خدماتي المهنية. فمنذ شهر حزيران 2025، اتخذتُ قراراً استراتيجياً بالاستقرار التام في سلطة المياه بمسماي الوظيفي الجديد، واضعاً حداً نهائياً لمرحلة "العمل المزدوج" (بين القطاعين العام والخاص) التي استمرت لأكثر من 16 عاماً.
منعطف عام 2017.. صدمة الفقد واختلال التوازن المؤسسي
في ليلة الجمعة، 25 آب 2017، شهدت المؤسسة منعطفاً تاريخياً بوفاة مؤسسها الحاج "عبدالله أبو خديجة"؛ ذلك الرجل العصامي الذي لم يكن مجرد مستثمر، بل كان "معمارياً استراتيجياً" أرسى قواعد صروح تعليمية وطبية تركت بصمة فارقة في الاقتصاد الوطني.
لم تكن الوفاة مجرد فقد إنساني، بل كانت اختباراً حقيقياً لصلابة الكيان الإداري. لقد خلف الراحل وراءه أبناءً لم يرثوا الملاءة المالية فحسب، بل تشربوا نهجه في الإدارة والوفاء، محاولين حمل الأمانة في ظرف استثنائي. ولكن، ومع ضخامة الإرث المؤسسي وتعدده، كان من الطبيعي أن يوزع الأبناء جهودهم على قطاعات استثمارية واسعة، مما خلق "فجوة تركيز" مؤقتة داخل المنظومة الصحية التي كانت تشكل جزءاً من هذا الاستثمار الضخم.
تنامي قوى الشد العكسي والخلل الإداري:
في ظل انشغال الورثة الشرعيين بمراسم التخطي اللحظي للصدمة وترتيب الأوراق الكبرى، تحركت "قوى الشد العكسي" التي رصدناها في المرحلة السابقة. استغلت هذه الأطراف حالة "الانكفاء الاضطراري" للقيادة العليا للقيام بما يلي:
انتزاع تفويضات غير معيارية: تم الاستحواذ على صلاحيات إدارية وفنية لا تستند إلى أصول مهنية متينة أو هيكلية واضحة، مستغلين غياب الرقابة المباشرة في تلك اللحظة الحرجة.
زعزعة الاستقرار الأنظماتي: بدأت حملة من التغييرات التي يمكن وصفها بـ "التخريب الإداري"؛ سواء كان ذلك ناتجاً عن سوء تدبير وافتقار للرؤية، أو كان نهجاً ممنهجاً لإعادة تشكيل القوى داخل المستشفى بما يخدم مصالح ضيقة.
إضعاف قنوات الاتصال: تعمدت هذه الفئة خلق حواجز بين الإدارة التنفيذية الفاعلة وبين الأبناء (المالكين)، مما أدى إلى تمرير قرارات تفتقر إلى الجدوى الفنية والمالية.
نهاية حقبة الاستقرار: استقالة "الرعيل الأول" وإعادة تشكيل المشهد الإداري
بعد فترة من النجاح في تحييد "العناصر الإدارية غير المتوافقة مع المعايير المؤسسية" (تلك الفئات التي كانت تفتقر للأهلية الفنية وتقتات على البيروقراطية المعطلة)، شهدت الظروف الاستثنائية التي مر بها المستشفى في تلك الفترة تمهيدا للطريق لعودة هذه العناصر مجدداً إلى دوائر القرار، مما أحدث إرباكاً في المسار التصحيحي الذي بدأناه.
ترجّل "القائد المنهك":
كان من الصعب على شخصية إدارية مالية بوزن الأستاذ نافز القاروط، الذي استنزف طاقاته في "معارك إدارية طاحنة" منذ منتصف عام 2015 لتثبيت أركان المؤسسة، أن يبدأ جولة صراع جديدة. زاد من صعوبة الموقف آنذاك وجود "إدارة طبية" كانت تفتقر للمبادرة ولا تملك القدرة على حماية نفسها، فضلاً عن تقديم الدعم للجهاز الإداري والمالي.
النزاهة فوق المنصب:
في خطوة تعكس "الهيبة المهنية" والترفع عن المكاسب الضيقة، اتخذ القاروط قراره بالاستقالة في نهاية 2017. والجدير بالذكر هنا، ومن باب التوثيق للأمانة المهنية، أن خروجه لم يكن نتيجة استهداف شخصي؛ بل على العكس، فقد صدر قرار بترفيعه لمسمى "مدير إداري" وهو منصب سيادي مستحدث لم يكن موجوداً في الهيكل التنظيمي السابق. إلا أنه آثر الانسحاب بشرف على أن يكون شاهداً على "قرارات إدارية غاشمة" بدأت تطال الكوادر النوعية التي كانت تشكل العمود الفقري للدائرة المالية.
اللقاء الأخير: ميثاق الاستمرار:
لا تزال ذاكرتي تحفظ مشهداً مهنياً مهيباً في آخر يوم له، حين التقيته عند "درج الخدمات" في مواقف الأطباء، وبسؤالي العفوي له: "معلم.. معقول تتركنا؟"، جاء رده كدستور عمل للمرحلة القادمة، حيث قال:
"انتهى دوري في خوض الحروب الإدارية؛ أما أنت يا مهند، فاستمر في أداء مهامك بمهنية، وانأى بنفسك عن الصراعات الجانبية، وتوكل على الله. المالكين (أبناء الحاج أبو خديجة) هم أهل فضل وإنصاف، ولن يُظلم عندهم أحد، لكن الظرف الحالي لم يعد يتماشى مع رؤيتي الإدارية".
خلاصة المرحلة:
بانسحاب القاروط، طُويت صفحة من الاستقرار المتوازن، وتزامن ذلك مع الاستحقاق الجراحي المتأخر المتمثل في استئصال الإدارة الطبية التي بلغت ذروة ترهلها. وهنا تبرز المفارقة المهنية؛ فبالرغم من أن هذا الإجراء كان ضرورة فنية قصوى لو اتُخذت كخطوة استباقية في عهد القيادة السابقة، إلا أن تأخير تنفيذها جعلها تُمرر بأيدي 'قوى الشد العكسي'. لقد استغل هؤلاء هذا القرار الإصلاحي الصحيح لشرعنة وجودهم وفرض واقع إداري جديد، مما حوّل إجراءً كان من المفترض أن يكون 'إنقاذياً' إلى أداة لترسيخ نفوذهم. هذا التداخل بين صحة القرار وسوء النوايا في التنفيذ فتح الباب لمرحلة من التحولات المهنية العميقة، والتي سأفصل خفاياها في الجزء القادم.
دروس وومضات مستفادة:
1.مخاطر غياب المرجعية: المؤسسات الكبرى تواجه خطر "الانكشاف الإداري" عند غياب القيادة التاريخية، مما يمنح قوى الشد العكسي فرصة للتغول عبر صلاحيات لا تستند لأصول مهنية.
2.النزاهة والترفع المهني: قرار ترجل الكبار (مثل استقالة نافز القاروط) هو درس في الحفاظ على السمعة المهنية؛ فالمنصب الذي لا يوفر بيئة سليمة للتطوير يصبح عبئاً على صاحبه، والانسحاب في الوقت الصحيح هو قمة الشجاعة الإدارية.
3.صل الأداء عن الصراعات: نصيحة القاروط ("خليك بشغلك وابعد عن الصراعات") تمثل طوق نجاة للمهني؛ حيث يجب أن تظل جودة العمل ثابتة ومستقلة عن التقلبات القيادية أو النزاعات البينية.
4.ضريبة التردد في "الحسم المؤسسي":ترهل الادارة الطبية في مؤسسة طبية لا يصنف فقط على أنه ضعف اداري، بل هو 'ثغرة أمنية' تمنح الخصوم فرصة ذهبية للتدخل. إن القرار التصحيحي الصحيح (كإقالة إدارة مترهلة) إذا لم يُتخذ بـ 'استباقية قيادية' في وقته المناسب، سيتحول حتماً إلى أداة بيد القوى غير المؤهلة لشرعنة نفوذها وتقمص دور المصلحين. في عالم الإدارة، القائد الذي لا يمارس 'الجراحة الضرورية' بيده، يترك لغيره فرصة استخدام المشرط لحساباتهم الخاصة.
