بداية عام 2018.. إعادة تشكيل المشهد القيادي
مع دخولنا **بداية عام 2018**، شهدت المؤسسة تحولاً جذرياً في خريطة القيادة، لكن **التباين المهني** كان واضحاً للعيان؛ فقد انتقلنا من **قوة مالية وإدارية راسخة** في الحقبة السابقة إلى **ضعف مالي ملحوظ في القيادات الجديدة**، بينما حدث العكس تماماً في الجانب الطبي، فبعد سنوات من **الترهل والضعف الإداري الطبي** الذي أشرنا إليه في الجزء السابق، استلمت دفة القيادة الطبية كفاءات من طراز استثنائي، أعادت للمؤسسة هيبتها المهنية في هذا القطاع الحيوي.
القيادة الطبية الجديدة: نفسٌ جديد بروحٍ أصيلة
تولى **المدير الطبي د. بلال قدورة** -أدامه الله وحفظه- زمام الأمور الطبية، وكان -بحق- شخصية قيادية نادرة جمعت بين **القوة المهنية** و**الإنسانية الدافئة**. لم يكن مجرد مدير يوقع المعاملات، بل كان "قائد ميدان" يملأ المكان حضوراً، دائم البشاشة، مبتسم الوجه، يقترب من الكوادر الطبية والتمريضية بقلب مفتوح، مما أعاد الروح المعنوية لأقسام كانت منهكة، وانضم إليه **الشيخ علاء عامر أبو الوليد** رئيساً لقسم العمليات، وهو من أرقى الشخصيات التي مرت على المؤسسة؛ وقوراً في هيبته، ليناً في تعامله، حكيماً في قراراته. كان نموذجاً نادراً يجمع بين **الوقار المهني** و**الدعم اللامشروط** للكوادر التي تعمل تحت إمرته، كما تولى **د. محمود العسود** قسم الطوارئ.
أما **د. زيد العدوان** رئيس قسم الأطفال والخداج، فهو قصةٌ أخرى تماماً؛ **الأخ والصديق الأول وبلا منازع** بين جميع المكاسب الشخصية التي حققتها خلال سنوات عملي في المستشفى. طبياً، كان **حضوراً لا يُعوّض**؛ لا يتأخر عن حالة طارئة، مهما كانت الساعة، حتى في ساعات الليل المتأخرة كان يحضر بنفسه لمتابعة حالات الخداج الحرجة التي تحتاج رعاية خاصة. نظم جداول المقيمين بإتقان إداري نادر، وجعل من قسمه نموذجاً يُحتذى به. وبسبب سمعته المهنية ووجوده، **جذب أخصائيي نسائية** للمستشفى، مما عزز من مكانة المؤسسة ككل، ولكن ما يفوق كل هذا، هو **الرجل والإنسان**؛ الشهم، الأصيل، صاحب الوفاء الذي لا يتغير. صداقته لم تكن مجرد زمالة عمل، بل كانت **صداقة عمر** تُبنى على المواقف لا على المصالح.
هؤلاء الأربعة شكلوا معاً **نواة القيادة الطبية الجديدة** التي أعادت للمستشفى هيبتها المهنية التي تدهورت في آخر إدارة طبية سبقتهم.
الكشف المهني: حين تظهر الحقيقة بأهلها
ومن **الشواهد المهنية** الجديرة بالتوثيق، ان فريق الإدارة الطبية الجديد كشف حجم التدهور والإهمال الذي كانت تعانيه الإدارة الطبية السابقة. لم يصرح احد منهم بذلك علانيةً، لكن ممارساتهم المهنية وتصحيحهم للمسار كانا أبلغ من أي كلام؛ فـ **القوة تظهر الضعف**، و**التميز يفضح الترهل**.
عاصفة التغييرات: حين يصبح الدوران السريع مؤشراً على الخلل
شهدت الفترة الممتدة من **بداية عام 2018** وحتى أوائل 2019 حالة من **التقلب القيادي غير المسبوق** في الجناح المالي؛ حيث تعاقب ما يقارب **خمسة إلى ستة مدراء ماليين**، بالإضافة إلى **أربعة إلى ستة مدراء تدقيق داخلي**. والأمر هنا لا يتعلق بعدم الكفاءة الشخصية لهؤلاء الزملاء - فمنهم من كان ذا خبرة وقدرة عالية - بل كان الجذر الحقيقي للمشكلة يكمن في **الفجوة المؤسسية** بينهم وبين النمط المالي الراسخ الذي اعتادته المستشفى عبر سنوات الاستقرار السابقة فقد كانت كل محاولة لجلب كفاءة جديدة تصطدم بـ **صدمة الثقافة المؤسسية**؛ فالأرقام وحدها لا تكفي، بل يجب أن يفهم القائد المالي الجديد **النسيج التشغيلي** للمؤسسة، و**تاريخ التزاماتها**، و**علاقاتها التعاقدية** المتشعبة. وهذا ما كان يفتقده الوافدون الجدد، مما جعل دوران الباب الدوار للقيادات المالية سمةً ملازمة لتلك الفترة.
قدوم الاستقرار المرحلي: البروفيسورة د. لينا وراد
انتهت هذه الدوّامة مع قدوم **الأستاذة البروفيسورة د. لينا ورد** -الأخت الكبيرة التي أكنّ لها كل الاحترام والتقدير- التي استلمت زمام الأمور المالية في المستشفى فلم تكن د. لينا وافدةً غريبةً على المؤسسة؛ بل كانت **ابنة المستشفى** في جوهرها، مما منحها ميزة استثنائية؛ فهي لم تحتج إلى فترة طويلة لفهم النسيج التشغيلي أو بناء جسور الثقة مع الكوادر. جاءت بخلفية أكاديمية رصينة من **جامعة العلوم التطبيقية**، لكنها الأهم -امتلكَتْ **حساسية مؤسسية** نادرة مكّنتها من قراءة المشهد بعمق،لم تكتفِ د. لينا بإعادة التوازن للمال فقط، بل أعادت **الهيبة للقرار المالي** من خلال منظومة لجان مشتركة مع الإدارة الطبية، ولجان توزيع المهام، ولجنة وضع الأسعار، وإعادة تفعيل نظام المناوبات الإدارية. كانت تؤمن إيماناً راسخاً بأن **القرار الفردي** -حتى لو كان صائباً- هو عدو الاستقرار المؤسسي على المدى البعيد.
ملف التأمينات: شراكة مهنية في ملف استراتيجي
أدركت د. لينا مبكراً أن ملف **التأمينات الصحية** ليس مجرد عقود روتينية، بل هو **شريان حياة مالي** للمؤسسة. لذا لم تكتفِ بالتقارير الجاهزة، بل طلبت جلسات عمل متخصصة مع أهل الاختصاص وكنتُ من ضمن الكوادر التي وضعت ثقتها فيهم، فأشركتني في **اللجان الفنية للتأمينات**، حيث عملنا معاً على تطوير خطط العمل، مراجعة بنود العقود، وتحسين آلية المطالبات. لكن الإنجاز الأبرز كان في **ملف تأمين موظفي المستشفى**؛ فقد كان يعاني من تفاوت في التغطية وغياب للمعايير الواضحة. عملنا على توحيد المعايير، توسيع شبكة المزودين، وضمان شمولية أكبر للكوادر، إيماناً منها أن **الموظف المضمون مهنياً** هو استثمار في استقرار المؤسسة ذاتها، لم تكن العلاقة بيننا علاقة "مدير وموظف" تقليدية، بل كانت **شراكة مهنية قائمة على الاحترام المتبادل للكفاءة**؛ تستمع باهتمام، تناقش بعمق، وتقرر بحزم.
المناوبات الإدارية: ثقة تُترجم إلى مسؤولية
دروس و ومضات مستفادة
1_ التوازن القيادي شرط للاستقرار: المؤسسة لا تستقر إلا بتوازن أجنحتها القيادية؛ فقوة جانب وضعف الآخر يُحدثان اختلالاً هيكلياً قد يُهدد الكيان بأكمله، حتى لو كان الجانب القوي هو القلب النابض للمؤسسة.
2_اللجان درع ضد الارتجال:تحويل القرار من فردي إلى مؤسسي عبر منظومة لجان يحمي المؤسسة من مخاطر الاجتهادات الشخصية ويضمن استمرارية السياسات بغض النظر عن تغير الأشخاص.
3_الموظف المضمون مؤسسة مستقرة:الاستثمار في تأمين الموظفين ورفاهيتهم ليس تكلفة، بل هو استثمار في الولاء والإنتاجية واستقرار المؤسسة على المدى البعيد.
4_التخصص يُقدَّر بأهله:إشراك أهل الاختصاص في ملفات تخصصهم ليس تفضيلاً، بل هو ضرورة مؤسسية؛ فالقرارات التقنية تحتاج لأهل التقنية، والقرارات المالية تحتاج لأهل المال.
تحديث: تم نشر فصل الختام (2019-2020)، إقرأه من هنا
