من الصروح الكبرى إلى المنشآت الطبية التخصصية.. ملامح المرحلة الجديدة (الجزء 13)

صورة توثيقية لمكتب مدير التأمينات مهند الخضور في آذار 2021، تظهر فيها لوحة المكتب والمعدات الإدارية لبدء المهمة الجديدة.


 تنويه للقارئ: التزاماً بمنهجية التوثيق المهني التي تتبعها هذه المدونة، وحرصاً على تقديم (النقد الإداري والدروس المستفادة) كغاية أساسية بعيداً عن التسميات التجارية أو الأشخاص، سأكتفي في هذا الجزء والأجزاء القادمة بتوصيف المنشآت بطبيعتها التشغيلية. الهدف هو توثيق التجربة والاستفادة من عِبرها في إطار قانوني ومهني يحفظ للجميع حقوقهم.

مقدمة:

مع إغلاق ملف "ابن الهيثم" في 31/12/2020، كانت القناعة الشخصية قد وصلت إلى ذروتها: اثنا عشر عاماً من "العمل المزدوج" (المُدوبل) كانت كافية. لقد تحقق الاستقرار العائلي والسكني بفضل الله، وحان الوقت لأكون إنساناً طبيعياً يكتفي بدوام واحد، ويمنح جسده وعقله فرصة لالتقاط الأنفاس بعيداً عن ضجيج القطاع الخاص.

​1. مرحلة "الزهد المهني"

لم أسعَ لأي فرصة، ولم أقدم سيرة ذاتية لأي جهة. كان قراري واضحاً: "فترة نقاهة" لا يقطعها رنين هاتف ولا التزام وظيفي إضافي. فالحياة ليست مجرد ركض مستمر، فالإنسان قد يركض في هذه الدنيا ركض الوحوش في البرية، لكن اليقين يبقى بأنّه لن ينال إلا ما كتبه الله له؛ فكم من هدوءٍ وسكينةٍ وبركةٍ في الرزق كانت أثمن وأبقى من أرقامٍ صماء لا تورث صاحبها إلا الشتات والتعب فالوصول إلى محطة الاستقرار يتطلب أحياناً الشجاعة لقول "يكفي".

​2. خلف الكواليس: فنجان قهوة رسم معالم العودة للقطاع الطبي

في أواخر شهر شباط 2021، وبدون سابق إنذار، تلقيت اتصالاً من الأستاذ نافز القاروط (أبو صلاح)؛ القامة الإدارية والمالية التي رافقت مسيرتنا في (ابن الهيثم) كما ورد في الأجزاء السابقة. لم يكن الاتصال لإنهاء اتفاق، بل دعوة كريمة لشرب فنجان قهوة في مكتبه بالمنشأة الطبية التي يتولى إدارتها المالية والإدارية آنذاك.

​وهناك في مكتب "أبو صلاح"، تم عرض منصب "مدير دائرة التأمينات" عليّ. لم يكن الطلب وليد الصدفة، بل لعلمه التام بحجم الخبرة وشبكة العلاقات الواسعة والمباشرة التي أمتلكها في السوق؛ وتحديداً مع شركات التأمين، وشركات إدارة النفقات الطبية (TPA)، ونقابات العمال، بالإضافة إلى الدوائر الطبية في البنوك والشركات الكبرى.

​بدأ الحديث باستذكار سنوات الميدان وأيام العمل المشترك في (ابن الهيثم)، ثم انتقل الحوار لتشخيصٍ رصين لواقع السوق الطبي والتحديات الجسيمة التي يواجهها القطاع في الأردن، وتحديداً الصعوبات التي كانت تمر بها منشأتهم التي واجهت تحدي "الافتتاح والبداية" في ذروة جائحة كورونا؛ وما تبع ذلك من ضغوطات تشغيلية ومالية أرهقت حسابات المنشأة. وبعد تقييم شامل لهذه المعطيات، وعلى تلك الطاولة، تم الاتفاق على البدء في هذا التحدي الجديد.

​3. دوافع القبول: بين اللوجستيات ورفقة الميدان

رغم الرغبة في الاستراحة، إلا أنني قبلت المهمة بناءً على معطيات جعلت التجربة تبدو في البداية "خفيفة" ومناسبة للمرحلة أهمها:

1.عامل الزمالة والصداقة: وجود أصدقاء قدامى وأخوة أعزاء من رفقاء الدرب في (ابن الهيثم)، وهم الأخ محمد رشيد (رئيس قسم الإدخال ومحاسبة المرضى آنذاك) وحمزة رشيد (رئيس قسم المحاسبة آنذاك) وفيصل سلامة (المحاسب في الدائرة المالية) ، حيث كان لوجودهم دور كبير في تشجيعي على خوض هذه التجربة.

2.الموقع اللوجستي: القرب الشديد من منزلي (أقل من 2 كم)، وهو ميزة استراتيجية لتوفير الوقت والجهد.

​3.طبيعة المنشأة: كانت المنشأة تمثل نموذج "المركز الطبي التخصصي" حيث انها منشأة صغيرة مقارنة بضخامة "ابن الهيثم"، يتركز عملها في أقسام تخصصية وعيادات مثل العيون والإخصاب، يجرى بها عمليات (DAY CASE) فقط ،تغلق أبوابها في الرابعة عصراً، ولا يوجد بها مبيت أو عمليات كبرى، مما أعطى انطباعاً أولياً بأن حجم العمل سيكون تحت السيطرة.

​4. العرض المالي

العرض المالي الذي تم تقديمه لم يرقَ لمستوى التوقعات ولا لواقع القيمة السوقية لهذا المسمى الوظيفي، إلا أنني قبلته تقديراً للأستاذ (أبو صلاح) والدوافع التي تم ذكرها سابقا وتفهماً للواقع المالي الصعب الذي كانت تمر به المنشأة من خسائر ناتجة عن ظروف افتتاحها المتعثرة إبّان جائحة كورونا."

5.الاستلام والمباشرة

تطلبت الإجراءات حضوري قبل 1 آذار(الموعد المحدد لاستلام الوظيفة) بيومين للاستلام والتسليم من مدير التأمينات السابق؛ وهو رجل محترم وذو خبرة لم أكن أعرفه مسبقاً، وأكنّ له كل الاحترام واصبحت تربطني به صداقة لغاية اليوم. سلمني الدائرة حسب الأصول، كما قمت بتسليم أوراقي الرسمية لقسم شؤون الموظفين، حيث تعرفت هناك على مدير القسم؛ ذلك الرجل الطيب والمحترم وصاحب الدين، والذي بدأت علاقتي به كزمالة وتطورت لتصبح صداقة متينة أعتز بها.

​باشرت مهامي رسمياً بتاريخ 1 آذار 2021، فاتحاً بذلك صفحة جديدة في بيئة عمل كانت تبدو هادئة في بدايتها، وتختلف كلياً عما اعتدت عليه سابقاً.

دروس مستفادة من الميدان:

​السمعة المهنية هي "العامل الصامت": في سوق العمل، السمعة التي تبنيها في سنوات العطاء هي التي تطرق بابك حين تقرر الاعتزال، وهي الضمانة التي تجعل أصحاب القرار يستقطبونك بناءً على نتائجك الملموسة.
​أدبيات الاستلام والتسليم: البدء في أي موقع جديد يتطلب احترام الأصول الميدانية؛ ففهم خفايا الملفات وبناء علاقة احترام مع السلف ضرورة إدارية لضمان استمرارية العمل بوضوح ويبني علاقات مهنية جديدة حتى مع زملاء عمل تلتقي بهم للمرة الأولى.
فخ "الحجم والمساحة": العمل في المنشآت الصغيرة يتطلب أحياناً دقة مجهرية وضبطاً للتفاصيل قد لا تطلبه الأماكن الضخمة، مما يستوجب مرونة عالية في إعادة ضبط الأدوات الإدارية.

...... لم تكن تلك البداية الهادئة إلا الستار الذي يُخفي خلفه كواليس معقدة وصراعاً صامتاً بين "عقلية المؤسسة" ونهج "المركزية المطلقة"؛ فبين طموحي في إرساء دعائم التنظيم، وبين واقع "الإدارة الفردية" التي كانت تُمارس في أروقة الإدارة العليا التي اعتمدت مبادئ الأهواء والولاءات الشخصية والجاسوسية ، بدأت تظهر ملامح بيئة عمل يسيطر عليها الخوف على المناصب والتمسك المستميت بالمكتسبات الفردية والرواتب المرتفعة على حساب الاستقرار التشغيلي..... كيف اصطدمت محاولات التطوير بعقلية "حماية المواقع" التي فضلت السكون على حساب الإصلاح؟... وما الذي يحدث حين يُنظر للشفافية الإدارية كتهديد للمناصب والامتيازات؟ لماذا كان الصدام مع "رأس الهرم" حتمياً؟

هذا ما سنكشفه في الأجزاء القادمة 

فهرس السلسلة المهنية والتقارير الاستراتيجية

التنقل المباشر عبر الأجزاء والتقارير:

جميع الحقوق محفوظة © مدونة مهند الخضور