مستشفى ابن الهيثم: صداقات تتجاوز المكاتب وحصادٌ لا يُنسى جنيته من محبة الناس الجزء (4)


مهند الخضور - تحليل بيئة العمل والعلاقات المهنية في مستشفى ابن الهيثم

المحطة الثلاثون: من "سماعة الهاتف" إلى الأخوة الصادقة

​في قطاع التأمين، العلاقات غالباً ما تبدأ وتنتهي خلف التلفونات. لكنني لم أقبل أن أكون مجرد "صوت" يمنح موافقات. بنيتُ قاعدة معارف من شركات التأمين، النقابات، والمؤسسات الحكومية، تحولت بمرور الوقت من علاقات رسمية إلى أخوة حقيقية. اليوم، وبعد كل هذه السنين، كثير من هؤلاء الذين عرفتهم "صوتاً" فقط، صاروا أقرب إليّ من الإخوة، تجمعنا "طشات" ومناسبات ومواقف لا يمحوها الزمن.

المحطة الحادية والثلاثون: كسر الجمود بين الكوادر الإدارية والطبية

​بينما تسود "الندية" عادة بين الكادر الإداري والتمريضي، كنتُ أشارك أطقم التمريض نشاطاتهم ورحلاتهم كواحد منهم؛ أخرج وسط 25 ممرضاً كإداري وحيد تجمعه بهم علاقة تتجاوز المسميات. والمثل الأكبر والأوضح والأهم على هذا هو صديقي وأخي الدكتور حسن أبو الرز (عميد كلية التمريض في جامعة الزيتونة حالياً)، الذي كان وقتها مشرفاً تمريضياً ورئيساً لعدة أقسام تمريضية في مستشفى ابن الهيثم؛ فهو قامة علمية وأخلاقية، وعلاقتنا التي بدأت هناك بقيت ثابتة كأخوة حقيقية حتى اللحظة، وهي البرهان الأقوى على أن صدق المواقف ينهي أي حواجز وظيفية.

المحطة الثانية والثلاثون: ابن الهيثم.. بوابة العبور لقلب المجتمع

​لم يكن مستشفى ابن الهيثم بالنسبة لي مجرد مكان للدوام، بل كان المنصة التي مكنتني من بناء علاقات واسعة مع شرائح متعددة ومتباينة مثل الأطباء، وشركات الأدوية، والمرضى وذويهم. فمن خلال هذا المكان، تعرفتُ على مناطق ومجتمعات لم أكن لأصل إليها لولا طبيعة عملي هناك، مثل (البقعة وعين الباشا) وغيرها من المحافظات الأردنية. لم أكتفِ بالجلوس وراء المكتب، بل كنتُ أحرص على التواجد الميداني مع الناس ومشاركتهم كافة مناسباتهم للقيام بالواجب. هذا التواصل حوّل العلاقة من مجرد مسميات وظيفية إلى ثقة شخصية وتقدير متبادل، وجعل حضوري مرتبطاً دائماً بالوقفة الصادقة مع الجميع في أفراحهم وأتراحهم.

المحطة الثالثة والثلاثون: 12 أيلول 2014.. حصاد المواقف والوفاء

​في 12 أيلول 2014، كان يوم زفافي هو الاختبار الحقيقي لحجم التقدير الذي نتج عن سنوات من الوقفات والمواقف الصادقة مع الجميع؛ وإنني إذ أذكر هذا التقدير فليس من باب التفاخر بواجبٍ هو في الأصل التزام أخلاقي، بل لكونه جزءاً هيكلياً من القصة لا تكتمل دون سرده. المشهد أمام منزلي ومنزل أنسبائي وفي الصالة لم يكن مجرد عرس، بل تحول إلى ما يشبه المهرجان الشعبي. الرهبة التي شعرتُ بها في ذلك اليوم لم تكن بسبب الحفل، بل من كثافة الحضور وتفاعلهم، خاصة من أشخاص لم يُعرف عنهم التواجد في المناسبات الاجتماعية سابقاً، لكنهم حضروا لزفافي. قبل ذلك اليوم كنت قد تعلمت كيف أثبت جدارتي كيف أُقنع بكفائتي كيف ادير المشهد كيف اتموضع وكيف اسيطر على المثلث الذهبي لكن ذلك اليوم علمني شيئا مختلفا ، علمني ان كل ما سبق كان مجرد وسيلة وان الغاية والدرس الأهم الذي سأحمله لبقية عمري هو أن النجاح الحقيقي يقرأ في عيون الناس لا في ملفات الإنجاز....

... الحكاية لم تنتهِ بعد، بل تبدأ. أراكم في مقالات قادمة، تحمل ما هو أشوق وأكبر، فالإثارة الحقيقية لسه ما بدت. مع السلامة


خلاصة الدروس والنتائج:

  • إنهاء العزلة الإدارية : النجاح المهني يبدأ بكسر حاجز المكتب؛ تحويل التواصل الرسمي إلى علاقات ميدانية هو ما يسهّل العمل ويخلق قاعدة دعم حقيقية.
  • كسب الكوادر الفنية: الاندماج مع أطقم التمريض بعيداً عن البروتوكولات ينهي الصراعات التقليدية، ويجعل الإداري جزءاً مقبولاً ومؤثراً في قلب العمل الطبي.
  • الوصول إلى الناس: استثمار الموقع الإداري للقيام بالواجب في مناطق متنوعة يبني اسماً يتجاوز حدود المؤسسة ويبقى عالقاً في أذهان الناس.
  • المواقف هي المقياس: كثافة الحضور في المناسبات الشخصية ليست مجرد عدد، بل هي "بيان نجاح" اجتماعي يثبت أن الشخص قدّم مواقف حقيقية استحق عليها هذا التقدير.

 

فهرس السلسلة المهنية والتقارير الاستراتيجية

التنقل المباشر عبر الأجزاء والتقارير:

جميع الحقوق محفوظة © مدونة مهند الخضور