زلزال 2019 وفصل الختام (ابن الهيثم) الجزء (12)

وثيقة رقمية توثق رسالة الوداع والوفاء لزملاء مهند الخضور في مستشفى ابن الهيثم - ديسمبر 2020
وثيقة رقمية توثق رسالة الوداع والوفاء لزملائي في مستشفى ابن الهيثم - ديسمبر 2020


مطلع العام 2019 زلزال الإدارة التنفيذية الجديدة

في بداية العام 2019، وبينما كنتُ في إجازة سنوية خارج البلاد، وصلتني رسائل ومكالمات كثيرة من زملائي المقربين بأن "القيامة قامت" في المستشفى، وأن هناك حملة "ترويحات" واسعة تقودها إدارة تنفيذية جديدة متسلطة وفوضوية تنوي نسف كل شيء قديم بأي حجة كانت. كان الممثل الرئيسي لهذه القيادات الجديدة شخصين من أقارب الملاك، أحدهما إداري تقني والآخر طبي، وكلاهما قدِما من العمل في دول الخليج. لم أسأل كثيراً ولم أكترث لسببين؛ الأول أني واثق من عملي وأقف على أرض صلبة وأوراقي دائماً "على الطاولة" بما يرضي الله ولا أخشى شيئاً، والثاني أني تعودت خلال السنين الماضية على مثل هذه التقلبات الإدارية فلم تعد تشكل لي أي قلق، فكان ردي الحاسم للزملاء: "لا تزعجوني الآن، وبس أداوم بصير خير".

فبراير 2019: أسبوع التحقيق وفشل مخطط الإقصاء

مع بداية شهر شباط 2019، باشرتُ عملي في المستشفى، وكان جلياً منذ اللحظات الأولى أنهم ينتظرون عودتي، حيث أوعزوا للشباب بتبليغهم فور وصولي. وبينما كنتُ على مكتبي في الزاوية المقابلة لمكتب الاستقبال، حضر "الشخص الطبي" من الإدارة الجديدة والمكلف بقسم التأمينات؛ وبدأ جلسة مطولة غلب عليها طابع "التفحص" والأسئلة الاستنطاقية الاستنكارية التي استهدفت الإيقاع بي في أخطاء إجرائية تتعلق بآلية العمل وأخذ الموافقات لوضعي في "الزاوية". إلا أن خبرة الـ 10 سنوات في ذلك الوقت جعلت من المستحيل على أي أحد أن يوقعني في خطأ أو "يضحك عليّ"، مما دفعه لإنهاء اللقاء وطلبي لمكتبه في اليوم التالي مع كافة الملفات والأوراق. وعلى مدار أسبوع كامل، استمرت التحقيقات اليومية والنبش في الأوراق بمساعدة موظفين جدد للبحث عن أي زلة تدعم نظريتهم بضرورة التخلص من "الحرس القديم". وفي نهاية المطاف، استدعاني في صباح أحد الأيام منفرداً دون أوراق، ليصارحني بأنه كان على رأس الخطة التخلص مني، لكنه أقرّ بعجزه عن إثبات أي خطأ لأن عملي صحيح ومرتب ومنظم ومنتج، وقال لي: "انتهينا من مرحلة التحقيقات، وبتقدر تكمل شغلك عادي".


 بيئة العمل المسمومة: الرقابة اللصيقة وسياسة "تأميم الأنفاس"

 رغم انتهاء التحقيقات، إلا أن المضايقات و"النكد" لم يتوقفوا، بل تحولت بيئة العمل إلى ما يشبه السجن أو المعتقل؛ فكل حركة، أو نَفَس، أو مغادرة، أو حتى سلام عابر من زميل أو جلوس مريض عندي، كان مراقباً ومصوراً. كنتُ أحمل همّاً ثقيلاً عند طلب إجازة أو مغادرة، وأفكر ألف مرة قبل الذهاب للكافتيريا مع زميل أو مراجع لشرب فنجان قهوة. لم يحترموا أنني تجاوزت ال 30 عاما وانني رجل متزوج ولي أبناء ، ولا حتى خبرة الـ 10 سنوات التي قضيتها في هذا المكان، فكان انتهاء الدوام اليومي يمثل لحظة خروج من معتقل أتنفس فيها الصعداء. ومن باب الإنصاف، أؤكد أن هذه السياسات لم تكن يوماً سياسة ملاك المستشفى الذين عرفناهم طوال تلك السنين، وأجزم أنهم لم يكونوا على اطلاع بهذه الممارسات الدخيلة التي لا تشبه طريقتهم في العمل.

تداعيات الفوضى التنفيذية: تراجع الأداء وتفكيك الكفاءات

 أدت هذه السياسات إلى تفكير الكثير من الموظفين بترك المكان، وكان يُرحب بأي استقالة تُقدم، بل ويُسوق سبب الاستقالة أمام مجلس الإدارة على أنها "هروب وقلة انتماء" لتبرير فشلهم. ترافق ذلك مع عشرات قرارات إنهاء الخدمات التي طالت المدير الطبي ومدراء دوائر هامين، واستبدالهم بآخرين من طرف الإدارة الجديدة. ساد وضع نفسي سيء ومترقب ومنهك بين الموظفين؛ فالجميع تحت المجهر والجميع متهم. والمفارقة أن هذا التغيير لم يقدم أي تطور، بل تسبب في تراجع شديد وملاحظ في العمل، وضاعت مكتسبات الاستقرار التي وصلنا إليها سابقاً، ليحل محلها ضعف في الأداء وفي الكوادر الجديدة التي افتقرت للكفاءة.

• أزمة كورونا والقرار الحاسم: نهاية مشوار الـ 12 عاماً   

تزامن هذا الضغط مع أزمة كورونا مطلع عام 2020، لتكشف بوضوح ضعفهم الإداري وافتقارهم للمهارة، واعتمادهم فقط على "التصيد والكيدية". خلال عامي 2019 و2020، التزمتُ بعملي بحدود واضحة لتجنب وجع الرأس، وبسبب معرفتهم أن ملف التأمينات لا يمكن تركه، كان خيارهم الإبقاء عليّ لكن تحت مراقبة خانقة. كانت هذه السنين هي الأسوأ، ولم يغب تفكير الاستقالة عن بالي يوماً، فكنتُ أقول: "اليوم آخر يوم". ومع نهاية عام 2020، وحين اقترب موعد تجديد العقود، تزامن ذلك مع تحصيلي لمبلغ جيد من الضمان الاجتماعي نتيجة "ازدواجية العمل"، مما منحني الوفرة المالية والقوة للقرار. وتحت وطأة المراقبة وانعدام الاحترام والأسئلة التخوينية المهينة عن علاقتي بالأطباء، اتخذتُ قراري النهائي بتقديم الاستقالة مع نهاية عام 2020.

خاتمة الوفاء: المستشفى الذي سكنني وسكنته

​إن مغادرتي لهذا الصرح لم تكن مجرد إنهاء وظيفة، بل كانت ختاماً لواحد من أثرى فصول حياتي المهنية والإنسانية على مدار اثني عشر عاماً. هذا المكان لم يكن مجرد جدران وأرقام، بل كان "المصنع" والمدرسة التي صقلت شخصيتي وتطورتُ فيها مئات المرات، وفيه بنيتُ أمتن وأصدق علاقات حياتي التي أعتز بها اليوم؛ فبين ممراته عرفتُ رجالاً وأخوةً صاروا جزءاً لا يتجزأ من هويتي.

​أنا ابن هذا المكان، وله في عنقي فضلٌ ودينٌ لا ينكره إلا جاحد؛ وهنا لا بد من كلمة حق في أصحاب هذا الصرح، أبناء الحاج عبدالله أبو خديجة، الدكتور أحمد والدكتور هيثم، الذين كانوا بوعيهم الإداري ونهجهم المنصف السند الحقيقي لنا طوال تلك السنين، ومثالاً في الرقي والتعامل الذي منحنا الأمان المهني. فإدارات المستشفى تتبدل وتتغير، لكن "ابن الهيثم" يبقى في ذاكرتي البيت الأول والمنبت الأصيل الذي منحني أكثر مما أعطيته. سيبقى هذا المكان في ذاكرتي فصلاً ذهبياً، وسأظل أفخر دائماً بأنني كنت يوماً من أعمدته، متمنياً له كل الرفعة.

​إن هذا التوثيق هو كلمة حقٍ للتاريخ فحسب؛ فقد مضيتُ في طريقي المهني الجديد نحو آفاقٍ لا تتسع للالتفاتِ للوراء، تاركاً خلفي صفحةً طُويت للأبد بكل ما فيها، ومؤكداً أن قراري بالرحيل كان نهائياً ولا رجعة فيه. لقد آثرتُ الرحيل بكرامتي في ذلك الوقت لأبقي صورة بيتي الأول نقيةً في وجداني كما عهدتها طوال سنين، راحلاً بوفاءٍ مطلق وحاملاً معي "الأرباح الحقيقية" التي لا تُقدر بثمن: نظافة اليد، واحترام الزملاء، ومحبة الأطباء، وبفخرٍ بأن "أبو زينة" مرّ من هنا وترك أثراً لا يُمحى، وفياً دائماً لمهد انطلاقتي الأولى.


المحطة القادمة: مختبر النفسيات وفصل "الحقائق العارية"

وبعد انتهاء محطة ابن الهيثم استعدوا للدخول في الجزء القادم للمحطة الأكثر حدة في مذكراتي؛ أربع سنواتٍ في مكان عمل جديد لم تكن مجرد زمنٍ عابر، بل كانت "مختبراً بشرياً" كشف لي ما وراء الأقنعة. إنه الجزء الأهم الذي سيكون للجميع بمثابة "إعادة وعي" حقيقية؛ حيث نضع مجهر التوثيق فوق شواهد ميدانية صادمة، نُفكك فيها نفسيات البشر ونرصد انقلاب "الأصدقاء" إلى خصوم ألدّاء في لمح البصر. إنها الرحلة الأهم لمن أراد فهم دهاليز العمل وفقه لغة المصالح التي تُظهر أقبح ما في النفس الإنسانية؛ محطةٌ سنسرد فيها الوقائع كما هي، دون تجميل أو مواربة، لنكشف كيف يتحول الميدان المهني إلى ساحة لتصفية الحسابات النفسية وتحولات الولاءات غير المتوقعة.. ترقبوا الجزء القادم، حيث يظهر الإنسان على حقيقته، وحيث الصدمة هي سيد الموقف.


فهرس السلسلة المهنية والتقارير الاستراتيجية

التنقل المباشر عبر الأجزاء والتقارير:

جميع الحقوق محفوظة © مدونة مهند الخضور