المقالات

ترميم الأساسات بعيداً عن الأضواء: ثلاثة أشهر من فك العُقد (الجزء 14)

ترميم الأساسات بعيداً عن الأضواء: ثلاثة أشهر من فك العُقد (الجزء 14)

المباشرة والتشخيص الأول: هيكلٌ بلا بوصلة ​في الأول من آذار لعام 2021، تسلمتُ مهامي كمدير لدائرة التأمينات في هذه المنشأة التخصصية الناشئة، والتي كانت صورتها الأولية تشير إلى ارتكازٍ أساسي على عيادات العيون وجراحات اليوم الواحد (Day Case)، إلا أنني وبمجرد دخول الغرف المغلقة ومراجعة الهياكل التشغيلية، اصطدمتُ بتساؤلاتٍ كبرى حول جدوى استنزاف الموارد في أقسام جانبية كـ (الجلدية، الأسنان، وتنظير الجهاز الهضمي) في ظل أداءٍ 'خجول' وتدفق مرضى يكاد لا يُذكر، حيث كشفت لغة الأرقام التي لا تجامل أن الكلف التشغيلية لهذه الأقسام تفوق إيراداتها بأضعاف، مما وضعني أمام نقدٍ إداري صريح بأن إنشاء أقسامٍ دون دراسة جدوى حقيقية أو استراتيجية استقطاب واضحة ليس إلا 'نزيفاً مالياً' مُقنّعاً يرهق كاهل المنشأة ويشتت الجهود في معارك خاسرة؛ ليتولد في داخلي، رغم رصيدي المهني الذي تجاوز آنذاك 12 عاماً، إحساسٌ غريبٌ بالغربة الوظيفية جعلني أتساءل بصدق: هل فقدتُ مرونتي في التأقلم مع التغيير، أم أن خبرتي في المؤسسات المنظمة جعلتني عاجزاً عن استيعاب 'الفوضى' في مكانٍ لا يشبه في بروتوكولاته أي منشأ...
من الصروح الكبرى إلى المنشآت الطبية التخصصية.. ملامح المرحلة الجديدة (الجزء 13)

من الصروح الكبرى إلى المنشآت الطبية التخصصية.. ملامح المرحلة الجديدة (الجزء 13)

  تنويه للقارئ : التزاماً بمنهجية التوثيق المهني التي تتبعها هذه المدونة، وحرصاً على تقديم (النقد الإداري والدروس المستفادة) كغاية أساسية بعيداً عن التسميات التجارية أو الأشخاص، سأكتفي في هذا الجزء والأجزاء القادمة بتوصيف المنشآت بطبيعتها التشغيلية. الهدف هو توثيق التجربة والاستفادة من عِبرها في إطار قانوني ومهني يحفظ للجميع حقوقهم. مقدمة: مع إغلاق ملف "ابن الهيثم" في 31/12/2020، كانت القناعة الشخصية قد وصلت إلى ذروتها: اثنا عشر عاماً من "العمل المزدوج" (المُدوبل) كانت كافية. لقد تحقق الاستقرار العائلي والسكني بفضل الله، وحان الوقت لأكون إنساناً طبيعياً يكتفي بدوام واحد، ويمنح جسده وعقله فرصة لالتقاط الأنفاس بعيداً عن ضجيج القطاع الخاص. ​1. مرحلة "الزهد المهني" لم أسعَ لأي فرصة، ولم أقدم سيرة ذاتية لأي جهة. كان قراري واضحاً: "فترة نقاهة" لا يقطعها رنين هاتف ولا التزام وظيفي إضافي. فالحياة ليست مجرد ركض مستمر، فالإنسان قد يركض في هذه الدنيا ركض الوحوش في البرية، لكن اليقين يبقى بأنّه لن ينال إلا ما كتبه الله له؛ فكم من هدوءٍ وسكينةٍ وبركةٍ في الرز...
زلزال 2019 وفصل الختام (ابن الهيثم) الجزء (12)

زلزال 2019 وفصل الختام (ابن الهيثم) الجزء (12)

وثيقة رقمية توثق رسالة الوداع والوفاء لزملائي في مستشفى ابن الهيثم - ديسمبر 2020 • مطلع العام 2019 زلزال الإدارة التنفيذية الجديدة في بداية العام 2019، وبينما كنتُ في إجازة سنوية خارج البلاد، وصلتني رسائل ومكالمات كثيرة من زملائي المقربين بأن "القيامة قامت" في المستشفى، وأن هناك حملة "ترويحات" واسعة تقودها إدارة تنفيذية جديدة متسلطة وفوضوية تنوي نسف كل شيء قديم بأي حجة كانت. كان الممثل الرئيسي لهذه القيادات الجديدة شخصين من أقارب الملاك، أحدهما إداري تقني والآخر طبي، وكلاهما قدِما من العمل في دول الخليج. لم أسأل كثيراً ولم أكترث لسببين؛ الأول أني واثق من عملي وأقف على أرض صلبة وأوراقي دائماً "على الطاولة" بما يرضي الله ولا أخشى شيئاً، والثاني أني تعودت خلال السنين الماضية على مثل هذه التقلبات الإدارية فلم تعد تشكل لي أي قلق، فكان ردي الحاسم للزملاء: "لا تزعجوني الآن، وبس أداوم بصير خير". • فبراير 2019: أسبوع التحقيق وفشل مخطط الإقصاء مع بداية شهر شباط 2019، باشرتُ عملي في المستشفى، وكان جلي...
دوّامة التغييرات وبوصلة الاستقرار: قراءة في التحول القيادي 2018-2019 الجزء (11)

دوّامة التغييرات وبوصلة الاستقرار: قراءة في التحول القيادي 2018-2019 الجزء (11)

  بداية عام 2018.. إعادة تشكيل المشهد القيادي مع دخولنا **بداية عام 2018**، شهدت المؤسسة تحولاً جذرياً في خريطة القيادة، لكن **التباين المهني** كان واضحاً للعيان؛ فقد انتقلنا من **قوة مالية وإدارية راسخة** في الحقبة السابقة إلى **ضعف مالي ملحوظ في القيادات الجديدة**، بينما حدث العكس تماماً في الجانب الطبي، فبعد سنوات من **الترهل والضعف الإداري الطبي** الذي أشرنا إليه في الجزء السابق، استلمت دفة القيادة الطبية كفاءات من طراز استثنائي، أعادت للمؤسسة هيبتها المهنية في هذا القطاع الحيوي. القيادة الطبية الجديدة: نفسٌ جديد بروحٍ أصيلة تولى **المدير الطبي د. بلال قدورة** -أدامه الله وحفظه- زمام الأمور الطبية، وكان -بحق- شخصية قيادية نادرة جمعت بين **القوة المهنية** و**الإنسانية الدافئة**. لم يكن مجرد مدير يوقع المعاملات، بل كان "قائد ميدان" يملأ المكان حضوراً، دائم البشاشة، مبتسم الوجه، يقترب من الكوادر الطبية والتمريضية بقلب مفتوح، مما أعاد الروح المعنوية لأقسام كانت منهكة، وانضم إليه **الشيخ علاء عامر أبو الوليد** رئيساً لقسم العمليات، وهو من أرقى الشخصيات التي مرت على المؤسسة؛ وق...
ميثاق الوفاء والنزاهة: حين يترجل الكبار صوناً للإرث من قوى الشد العكسي الجزء (10)

ميثاق الوفاء والنزاهة: حين يترجل الكبار صوناً للإرث من قوى الشد العكسي الجزء (10)

  مقدمة : بعد مراجعة دقيقة لما تم نشره في المحطات السابقة، توقفتُ ملياً عند جدوى الاستمرار في سرد التفاصيل المهنية المتبقية. كان تقديري الأوليّ أن الرسالة الجوهرية الموجهة للكوادر الناشئة في سوق العمل قد وصلت بالفعل، وأن ما تبقى من أحداث قد يُصنف كـ "سرد شخصي" أو يُفسر خارج سياق الفائدة المعرفية، خاصة فيما يتعلق بآليات التعامل مع الشخوص والمؤسسات التي تقاطعت مع مساري المهني، مما قد يفتح باباً للتأويل حول أهداف المدونة بين المدح والانتقاد إلا أن التفاعل غير المتوقع وحجم المتابعة من الزملاء والمقربين ممن عملت معهم، كانا المحرك الأساسي لاستكمال هذه السردية فقد أثبتت التجربة أن "المصداقية الواقعية" هي العملة الأكثر رواجاً وتأثيراً في فضاء يعج بالكتابات الإنشائية، مما فرض عليّ مسؤولية أدبية لإتمام هذا التوثيق رغم اعتقادي المسبق بأنه يستهدف فئة محدودة. وقبل الاسترسال في المحطة القادمة، يجب أن يُفهم جيداً ومن باب النزاهة المطلقة، أن هذا السرد لا يستهدف تحقيق أي مصالح شخصية أو تسويقاً لفرص عمل جديدة؛ فأنا لا أبحث عن إعجاب أحد أو عرض خدماتي المهنية. فمنذ شهر حزيران 2025، اتخ...
إدارة المنعطفات ومواجهة قوى الشد العكسي الجزء (9)

إدارة المنعطفات ومواجهة قوى الشد العكسي الجزء (9)

شهدت هذه المرحلة، الممتدة من منتصف عام 2015 وحتى أواخر عام 2017، تحولاً جذرياً في بيئة العمل داخل المؤسسة؛ حيث انتقلنا من حالة "التخبط الإداري" التي أعقبت التغييرات الكبرى إلى مرحلة من الاستقرار النسبي الممنهج ، بعد أن ساد انطباع بأن التغييرات كانت تستهدف قطاعات محددة لغايات إعادة الهيكلة، وليست إنهاء خدمات عشوائياً. والتزاماً بالمهنية   لن استطرد في تفاصيل هذه التغييرات، احتراماً لخصوصية هذا المكان الذي أقدره وحيث انها مدونة مهنية قمنا بتوضيح أهدافها سابقا. مواجهة قوى الشد العكسي واجهت الإدارة المالية في تلك الحقبة تحديات تمثلت في "قوى شد عكسي" من أطراف إدارية مستحدثة تفتقر للخبرة التخصصية في القطاع الصحي. كانت المحاولات تهدف إلى إدارة المنظومة من منظور حسابي ومالي جاف، متجاهلةً الاعتبارات الفنية والتشغيلية المعقدة، مما خلق حالة من التصادم الإداري نتيجة الجهل بخصوصية القطاع، وعدم ادراكهم للاعتبارات الفنية والتشغيلية التي تميز المستشفيات عن غيرها من القطاعات التجارية. القيادة المالية: تجاوز المنحنى الأخطر في مواجهة هذا المنحنى الخطير، برز دور المدير المالي، السيد نا...