عواقب القرارات العشوائية "حين يصدم الوهم بالواقع"- الجزء (17)

مهند الخضور بالجزء السابع عشر جالسا على الكرسي الجلدي ينظر باستغراب شديد على ما آلت اليه الأمور

تنويه:

كافة المواقف والأحداث الواردة في هذه السلسلة تُنشر لغايات تعليمية ولتبادل الخبرة المهنية فقط، والتزاماً بالنزاهة والموضوعية جرى تجهيل كافة الأسماء والجهات المعنية بالكامل، ليكون التركيز على الممارسة الإدارية والعبرة المستفادة منها، بعيداً عن أي شخصنة أو إساءة، للاطلاع على الضوابط الكاملة، يمكنكم مراجعة سياسة إخلاء المسؤولية والنزاهة المهنية الخاصة بالمدونة. 

بعد أن قمنا في الجزء 15 بتفكيك السياسة الإدارية للمستشفى وتحليل الآليات التي تُدار بها المؤسسة من قِبل الإدارة العامة ومعضلة مركزية القرار وكيف جرى إخفاء المشاكل والتستر عليها وترك الاهتمام بحل القضايا الحساسة والمصيرية والانشغال بتفاصيل هامشية وتافهة، انتقلنا في الجزء 16 إلى تشريح طبيعة العلاقة بين مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية ووضحنا التبعات الحرجة والمأزق الحتمي الذي وضع مجلس الإدارة نفسه فيه كفاتورة باهظة لعجزهم الهيكلي غير المنطقي وصمتهم الممتد على ملفات كارثية تراوحت بين الجهل المطلق بوجودها أو العجز عن إدراك حجم خطورتها، وفي هذا الجزء السابع عشر، سأكشف الواقع الإداري كما عشته شخصياً خلف الستار، وكيف تُرجمت القرارات العشوائية وعقلية الارتجال الفوضوي على أرض الواقع والتبعات الحقيقية لها. 

أولاً: مرحلة السكون والركود التشغيلي للمستشفى (2021 - 2022)

منذ  تعييني ببداية العام 2021 وحتى نهاية عام 2022 تقريبا، كان جلّ عملي يتركز على إعادة ترتيب وتطوير دائرة التأمينات واستقطاب تعاقدات جديدة وارشفة كل ما يتعلق بالتامينات على النظام الإلكتروني ولم أكن بذلك الوقت على دراية كاملة بوضع المستشفى ككل، لكن كانت هناك أمور واضحة لم تأخذ مني وقتاً لألاحظها.

توزيع المهام على الكادر كان غريباً : إذ كان تسيير العمل والتشغيل الفعلي محصوراً بيد أشخاص معينين، وباقي الكادر لا أعلم حتى سبب وجودهم.

نظام إداري مبني بالكامل على "الفزعة": كان هناك نظام داخلي مطبوع أعتقد أنه جيد، لكن لا يوجد هيكل وظيفي واضح، ولا سياسات مفهومة، ولا مرجعيات ثابتة، على سبيل المثال، تبعية مدير التأمينات -الذي يتركز جل عمله على الأرقام والحسابات والأسعار- كانت للمدير العام مباشرة وليس للإدارة المالية كما هو معمول به في كل مستشفيات العالم، وطبعاً هذا من باب السيطرة على الإدارات وليس لأي سبب آخر، ثم جرى ضم قسم المشتريات والمستودعات (وهو مالي بحت) للإدارة العامة للسبب ذاته.

على صعيد التشغيل كنا أمام مستشفى صغير، حركة المرضى فيه ضعيفة، ويعتمد كلياً على قسم وحيد عجزوا عن تشغيله ولولا الطبيب العراقي المحترم الذي تم استقطابه بجهود شخصية من السيد نافز القاروط حينما كان مديراً مالياً وإدارياً وفُتحت له عيادة داخل المستشفى ، لما استمر هذا القسم الوحيد الذي اعتمد عليه المستشفى بالكامل، ومن الشجاعة أن أعترف -رغم الخلافات الدائمة وتباعد وجهات النظر بيني وبين هذا الطبيب التي جعلتنا معظم الوقت على تنافر- بأنه هو من كان يشغّل القسم بفضل قاعدة مرضاه التي كوّنها خارج هذا المستشفى على مدار عشرين عاماً. وكان يُلاحظ أن الحركة والعمل ونشاط المرضى لا يبدأ إلا بعد الساعة 11 أو 12 عند حضوره، بل إن المستشفى في أيام إجازته وغيابه كان يتحول إلى مكان أشبه بالمهجور وتتوقف فيه الحركة تماماً، والمضحك في الأمر أنه حُورب طوال فترة عملي لديهم، وكانت الإدارة العامة تتعمد مضايقته والتضييق عليه كلما قدّم أي ملاحظة فنية أو مقترحاً إصلاحياً.

ثانياً: مرحلة التخبط التشغيلي والبحث عن "طوق نجاة"

من فترة طويلة جداً، كنت قد علمت أن المستشفى تقدم بطلب ترخيص لافتتاح قسم نسائية وتوليد وخداج، ومن طول المدة التي استغرقها هذا الامر، عجزت حتى عن تذكر متى بدؤوا فيه أصلاً،،، في تلك الفترة، كان من الطبيعي جداً أن يتقرر اليوم افتتاح قسم وننوي غداً إغلاق أقسام أخرى؛ كانت الأمور تُؤخذ ببساطة شديدة وكأنها مسألة روتينية عادية لا تحتاج لحسابات والمحصلة الثابتة دائماً: الأفكار تتجدد، والخسائر تتعمق.

​ومع نهايات عام 2022، بدأت الزيارات الميدانية الفعلية من قِبل اللجان والجهات الحكومية المعنية بإصدار الترخيص. وفي مثل هذه المواقف، وكما حدث في مرات عديدة، كان يتم تصديري للواجهة للتعامل المباشر مع تلك الجهات؛ نظراً لما أمتلكه من علاقات عامة جيدة، وخبرة في التعامل مع الجهات الحكومية، فضلاً عن "النفس الطويل" والقدرة على الإجابة السريعة على أي سؤال،،وبعد عناء طويل ومحاولات مستمرة، تم استصدار الموافقة على افتتاح القسم، شريطة تنفيذ تعديلات معينة طلبتها تلك الجهات، وهنا تحديداً، سألتزم بحدود النشر ولن أخوض في تفاصيل آلية انتزاع هذه الموافقة، أو كيف تم تمريرها في ذلك التوقيت، كما لن أتطرق لطبيعة الشروط التي فُرضت والظروف المحيطة بها؛ فلا أعتقد أن من الحكمة أو المصلحة فتح ملفات جانبية قد تخرجنا عن سياق النقد الإداري الموضوعي في هذه المرحلة.

ثالثاً: الافتتاح الارتجالي وبداية الغرق الفعلي

حين افتتح القسم الجديد وتحوّل المستشفى للعمل على مدار 24 ساعة وزادت حركة المرضى، اتضح أن هذه الخطوة لم تكن مجرد توسع، بل كانت الاختبار الحقيقي الذي كشف عمق العجز والضعف الإداري، والمفارقة هنا أن هذا القسم بالذات لا يُصنف في المستشفيات الكبرى كقسم معقد أو بحاجة لخبرات استثنائية لإدارته، بل هو قسم تشغيلي روتيني، ومع ذلك كان كفيلاً بإظهار الكارثة،،البدايات فعلياً لم تكن موزونة إطلاقاً، ولا مبنية على أي أسس صحيحة؛ حيث دخلنا منذ اليوم الأول في حالة تخبط شديد ومفصلي، ترك أثراً عميقاً وممتداً على المنظومة بأكملها، تمثّل هذا التخبط بشكل واضح في التعيينات التمريضية التي جاءت غريبة جداً؛ إذ جرى استقطاب وتعيين معظم الكادر من مستشفى واحد صغير وضعيف، يفتقر أصلاً لأبجديات المنظومة الطبية والمستشفيات. وبطبيعة الحال -ودون تعميم- كانت هذه الكوادر تفتقر للخبرة والجودة المطلوبة. وفوق هذا كله، ظهر تباين غريب وغير مفهوم في الرواتب بين الأقسام، رواتب لم تُبن على معايير واضحة مثل المؤهل العلمي أو سنوات الخبرة، بل كانت قائمة على آلية أشبه بـ "المفاصلة"، والأدهى من ذلك، أن هذه الكوادر لم يجرِ لها حتى برنامج تعريفي (Orientation) بالحد الأدنى. تم الافتتاح بشكل مرتجل وغير محضر له مسبقاً، وقبل استقطاب أطباء خارجيين أو التعاقد معهم بشكل واضح، ناهيك عن خطوة التسعير التي لم تكن مدروسة نهائياً. ورغم وجود أمور وتفاصيل أخرى كثيرة لا يحق لي التعمق بها حالياً، إلا أن المحصلة كانت تخبطات غريبة وعشوائية في كل تفصيل، ما زال المستشفى يدفع ثمنها غالياً حتى يومنا هذا، لم يقتصر التخبط على الجوانب التنظيمية فحسب، بل امتد ليتخذ طابعاً شخصياً فجّاً في التعامل مع الاطباء ، لدرجة خلقت حالة "إجماع نادرة" من عدم الرضا؛ فلا الأطباء المستأجرون والمتضمنون في الداخل نجوا من هذه السياسة، ولا الأطباء الخارجيون ولا حتى المقيمون، وبالمعنى الدارج، حتى "مرّاق الطريق" لم يكن راضياً عن هذا الأداء. والأمر المستغرب الذي لا يجد له أي خبير إداري تفسيراً منطقياً، هو الرفض المطلق والمحاربة الجنونية لفكرة تعيين مساعد للإدارة أو "مدير طبي" للمستشفى. كانت هذه الفكرة تُقاوَم بشتى الطرق، وإذا ما أصبحت أمراً واقعاً بضغط الظروف، يبدأ العمل الممنهج لإفشال هذا المدير الطبي، عبر تعمد تصغيره، وتحجيم دورة، ورفض قراراته، لضمان بقاء السيطرة المطلقة في يد واحدة، حتى لو كان الثمن تدمير المنظومة 

رابعاً: دائرة التأمينات.. الانضباط في مواجهة الفوضى

وسط هذا التخبط المستشري في أروقة المستشفى، كان الوضع في دائرة التأمينات مختلفاً تماماً؛ حيث انصبّ الجهد على بناء منظومة عمل متماسكة ومنضبطة لأبعد حد. وهنا، أضع تحدياً مهنياً علنياً ومفتوحاً أمام أي شخص أو جهة رقابية وتدقيقية: أن يستخرج خطأً واحداً في أي معاملة، أو تسوية، أو مطالبة مالية خرجت من قسم التأمينات طوال تلك المرحلة.،علماً بأنني توليت تأسيس وترتيب هذا القسم بمفردي في البدايات وتحملت عبء ضغط العمل كاملاً، قبل أن تنضم إليّ لاحقاً زميلة محترمة ساعدت في محاسبة التسويات، ورغم كل الظروف المحيطة وشح الدعم، نجحت بحمدالله تعالى في إرساء نظام تأميني كفؤ حاز على ثقة واعتماد كافة شركات التأمين بسلاسة مطلقة، وبمستوى تنظيمي وضَعنا في مصاف كبرى المستشفيات وأقدمها في المملكة ، ومع التزامي التام بحفظ خصوصية البيانات والتفاصيل الداخلية للقسم،يظل التحدي المهني الذي طرحته قائماً وثابتاً أمام الجميع؛ فدقة ونظافة كل ما يخص أعمال القسم بنسبة 100% هي الحقيقة المطلقة التي فرضتها على أرض الواقع.

يلاحظ القارئ خلو هذا الجزء من بند 'الدروس المستفادة' المعتاد، فالأخطاء والعشوائية المطروحة هنا هي خطايا هيكلية صارخة تُفسر نفسها بنفسها ولا تحتاج لبيان، وفي الواقع لو أردنا تفكيك هذه التخبطات كاملة وتحليل الأثر التراكمي لكل خطأ جرى في هذه المرحلة لاحتجنا لأكثر من 20 مقالاً بحد أدنى للإحاطة بها وحدها دون غيرها لذا نترك المشهد متصلاً كما هو لنتابع تشريح باقي الملفات والقضايا الحساسة في أجزاء السلسلة القادمة.

خامسا :نقطة الاصطدام الحتمية وسيناريو "الهروب المفتعل"

بناءً على الواقع الحالي والمعطيات التي جعلتني متأكداً تماماً ممّا آل إليه الوضع—وهو أمرٌ لا أتمناه لهم بالتأكيد—فإن مجلس الإدارة أصبح قاب قوسين أو أدنى من نقطة الاصطدام، وللأسف سيجدون أنفسهم مضطرين قريباً للمواجهة والوقوف أمام جهات رقابية متعددة وأكثر من وزارة معنية دخلت على خط المتابعة، لتضع الجميع تحت سلطة القانون والمساءلة الفردية والمؤسسية ولو أنهم يعيدون التفكير اليوم بعين فاحصة ويُدقّقون في معطيات الواقع لعلموا يقيناً أن أسباب التغطية السابقة وغض الطرف قد زالت وانتهت صلاحيتها بالكامل، وأن آليات المحاسبة الفعلية قد دخلت حيز التنفيذ ولم يعد منها مفر،وتأكيداً لقراءة الأحداث وصحة كلامي سيرون في الأيام القادمة كيف سيعمد الأشخاص الذين يديرون المستشفى إلى اختلاق وافتعال مشاكل وأزمات جديدة من العدم؛ والغاية منها ليست إصلاحاً، بل اتخاذها ذريعة وستاراً لتبرير "استقالة مفاجئة" يهربون بها بجلودهم قبل أن تبدأ عجلة المساءلة بالدوران، ولكل من قد يعتقد أن في هذا الكلام مبالغة أو أن الغاية منه هي مجرد افتعال إثارة أو خلق "هالة" لا رصيد لها من الواقع، أقولها بوضوح تام مرة اخرى _ليس لي أي مصلحة شخصية—لا سمح الله—في أن يصيبهم أي مكروه أو يسوء وضعهم؛ فلستُ ممّن يشربون من بئرٍ ويرمون فيه حجراً بل على العكس تماماً هذا مكان أكلتُ منه عيشاً في يومٍ من الأيام، وتمنيتُ مخلصاً لو كانت خواتيمه أفضل، لكنّ الأمانة المهنية والمسؤولية هي ما يدفعني للمكاشفة، خاصةً بعد أن عاينتُ بنفسي سياساتٍ إدارية عقيمة، كان همُّ القائمين عليها الوحيد هو إطالة أمد بقائهم في المنشأة، ولو كان الثمن استنزاف مقدرات المنشأة والضرب بمصلحتها عُرض الحائط، والهدف الحقيقي المبطّن هو الاستمرار في تقاضي رواتب شهرية بمبالغ خيالية لا تعكس حجم إنجازهم على الأرض ،​والأدهى من ذلك أن الإدارة تعمدت إحاطة نفسها برؤساء اقسام من ذوي الخبرات والمؤهلات المحدودة، ممن يدركون يقيناً أن الاستغناء عنهم يعني بقاءهم بلا عمل في سوق خارجي لا يرحم؛ فجرى استغلال حاجتهم للأمان الوظيفي ليتحولوا إلى "سحيجة" ينحصر دورهم في التبصيم والتأكيد الأعمى على كل قرار، لمجرد ضمان استمرار رواتبهم ومواقعهم الوظيفية نحن هنا أمام معطيات وحقائق جافة لا تجامل أحداً،،، ويبدو أن حقيقة كونهم مجلس إدارة لـ (مستشفى) يتعامل أولاً وأخيراً مع أرواح البشر—وليس مجرد مجمع تجاري أو عقاري—قد جرى إغفالها وتغييبها عنهم خلال الفترات الماضية بفعل الركون إلى من كان يتعمد تبسيط الأمور والمسؤوليات رغماً عن وجود ترسانة واسعة وكثيرة من الأنظمة والتشريعات الصارمة كقانون الصحة العامة وتعليمات وزارة الصحة ونقابة الأطباء و جهات أخرى عديدة، وهو ما سيضع أعضاء مجلس الإدارة في حرجٍ بالِغ ومأزق حتمي أمام مساهمين آخرين ايضاً، من قامات اجتماعية محترمة وراقية، لم يسبق لهم مواجهة مثل هذه التبعات بعد أن وضعوا ثقتهم في هذا المجلس واؤتمنوهم على مسؤولية كبرى بناءً على مكانتهم بنزاهتهم.

هنا تحديداً، لا بد من وقفة تضع النقاط على الحروف عبر تساؤلات يطرحها الواقع: هل قصرتُ يوماً في تقديم النصح والمشورة وأنا في قلب العمل؟ وهل هذا الحديث وليد اليوم لمجرد أنني غادرت المستشفى؟ أم أن الحقيقة تكمن في كوني حائط الصد المنيع الذي تلقى الصدمات في صدره، وحمى المنظومة من كوارث محققة كانت لتعصف بها لولا التدخل والمنع في الوقت المناسب؟

​وما هي كواليس وتداعيات ذلك الصدام العنيف مع رأس الحربة ؟ ومَن من أعضاء المجلس انحاز له وشدّ من أزره، بعد أن كنتُ أعتقد—بناءً على المعطيات وقتها—أنني قصدتُ الرجل المناسب لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في ذلك التوقيت الحرِج؟

​الحقائق كاملة سنبسطها في الأجزاء القادمة.. ودون إطالة.

فهرس السلسلة المهنية والتقارير الاستراتيجية

التنقل المباشر عبر الأجزاء والتقارير:

جميع الحقوق محفوظة © مدونة مهند الخضور