هذه السطور ليست مجرد تحليل نظري، بل هي ملامح المرحلة القادمة التي أرسمها لتقريب الواقع من ذهن القارئ، وهي تجسيد حي وواقعي للمستشفى الذي بدأتُ فيه مسيرتي العملية كما ذكرتُ لكم في الأجزاء السابقة من مذكراتي. نحن نتحدث عن نموذج قائم في أحد المستشفيات، حيث يستميت المدير العام في الدفاع عن منصبه خوفاً من خسارة راتبه المرتفع جداً مقارنة بحجم التشغيل المتواضع في المنشأة. هذا الراتب الذي يضاهي رواتب المدراء العامين في المستشفيات الكبرى، يدفعه لاستخدام آليات تضليل ومناورات مستمرة لحماية مصالحه الشخصية على حساب أصول المنشأة ومستقبلها.
توضيح مهني واجب (لتحرير القلم من التأويل):
قبل الخوض في تفاصيل هذا التحليل، لا بد من كلمة حق لقطع الطريق على أي تأويل يخرج المقال عن سياقه "التعليمي والإرشادي"؛ فهذا الطرح ليس من باب الكيدية، ولا يندرج تحت بند "تصفية الحسابات" الشخصية. فأنا اليوم أتحدث بلسان المحلل المحايد، بعد مرور عام كامل على مغادرتي للقطاع الخاص بشكل قطعي وبلا عودة.
إن التزامي الوظيفي الحالي في مؤسسات الدولة -والذي يمنعني قانوناً ومهنياً من أي شكل من أشكال الازدواجية الوظيفية- يمنح قلمي الحرية الكاملة والحياد المطلق، بعيداً عن أي مصالح متقاطعة. ما أكتبه هنا هو واجب التناغم مع فلسفة هذه المدونة التي التزمتُ فيها بالتوثيق العلمي، ليكون هذا التحليل مرجعاً تعليمياً لمن أراد فهم كواليس الإدارة. فالمقصد هو "الحالة" لا "الشخص"، ولا يعنيني من قريب أو بعيد إن كان المعني بهذا التحليل سيقرأ ما كُتب أم لا؛ فالحقائق لا تتجمل، والهدف هو توثيق ملامح مرحلة لتعميم الفائدة ليس إلا.
لطفاً، راجع بيان إخلاء المسؤولية والنزاهة المهنية بيان إخلاء المسؤولية والنزاهة المهنية
وهذه هي المحاور الأساسية التي تم اللعب عليها لكي يستطيع تمرير أجندته وتثبيت كرسيه:
أولاً: استغلال فجوة التخصص بين الإدارة والملاك
نظراً لأن أغلب أعضاء مجلس الإدارة ينتمون إلى خلفية هندسية وعقارية بحتة، ويفتقرون تماماً للخبرة الميدانية في إدارة المستشفيات، فقد استغل المدير العام هذا التباين لفرض رأيه وتوجيه القرارات لصالح بقائه. اعتمد في ذلك على استخدام المصطلحات الطبية التخصصية والادعاء بالفهم المطلق للقطاع. ولم يتوقف الأمر عند استغلال عدم معرفة الملاك بالجانب الطبي، بل جرى الالتفاف الممنهج على عضو مجلس الإدارة الوحيد الذي هو "طبيب" أصلاً.
حيث كان المجلس في البداية يعتمد على هذا الدكتور وعلى نظرته الفنية الجيدة في تقييم الأمور. إلا أن وجود هذا الطبيب الخبير -بحكم خبرته الطبية الميدانية وتحفظه المستمر على قرارات المدير العام وكشف بعض أخطائه- بات يشكل عائقاً أمام توجهات المدير. وهنا لعب المدير لعبته بإقناع بقية الأعضاء بأن تحفظات هذا الدكتور ما هي إلا "تذمر وافتعال للمشاكل"، وشكك في غايات الدكتور من محاولات الإصلاح. نجح المدير أخيراً في تهميش رأي الدكتور وتحييده بعد أن كان المجلس يعتمد عليه، ليخلو له الجو تماماً في توجيه القرار وتغييب الحقيقة الفنية والمالية عن بقية الأعضاء.
ثانياً: تصدير المشاريع التوسعية الوهمية كأداة لكسب الوقت واطالة عمره في المنشأه
يعتمد المدير العام على استراتيجية «الإلهاء بالمستقبل» عبر تقديم خطط ومشاريع تطويرية غير ملموسة على أرض الواقع. تشمل هذه الأطروحات وعوداً باستحداث تخصصات جديدة، أو بناء طوابق إضافية، أو فتح عيادات نوعية. يتم توقيت هذه الأطروحات بدقة متناهية بالتزامن مع زيارات أعضاء المجلس المغتربين إلى أرض الوطن، لإعطائهم انطباعاً زائفاً بوجود حراك وتطور مستمر. هذا الوهم يُستخدم لتبرير استمرار الخسائر المالية كأنها «كلفة مرحلية» لهذه التوسعات المفترضة التي ليست ذات قيمة حقيقية، بل هي أداة لتعزيز النزيف المالي وتعميق الخسائر.
ثالثاً: التذرع بالظروف الاقتصادية العامة كشماعة للفشل المالي
يعمد المدير العام دائماً إلى تبرير الخسائر المستمرة بربطها بـ "ضعف الاقتصاد العام"، متذرعاً بنماذج منتقاة بعناية لعزل أداء المستشفى عن واقع السوق الحقيقي. ويحدث هذا التضليل في وقت تشهد فيه المستشفيات المنافسة استقراراً ونمواً تشغيلياً ملموساً. هذا التباين يقطع الشك باليقين بأن الأزمة داخلية بنيوية، وتتعلق بالفشل الإداري المباشر لا بالبيئة الاقتصادية الخارجية كما يدعي.
رابعاً: اللعب على التناقضات والتسلل النفعي واختراق الخصوصيات
يقوم المدير العام بتتبع وفهم الطباع الشخصية لكل عضو في مجلس الإدارة، متجاوزاً حدود العمل المعتاد إلى التقصي عن الخلافات البينية، والملفات الشخصية، والمشاكل العائلية أو المالية المعروفة بينهم، ليستغلها بمواربة وانتهازية. هو يعتمد على التسلل النفعي في توجيه الخطاب، متمكناً من اختيار "الكلمة المناسبة، أمام الشخص المناسب، وفي الوقت المناسب".
بذلك، يتقرب من كل عضو على حدة، ويبرر تقصيره وفشله الإداري بإلقاء اللوم على أعضاء المجلس الآخرين، مستغلاً تباعدهم الجغرافي وانقطاع التواصل المباشر بينهم، مما يجعلهم غير قادرين على التأكد أو التحري عن حقيقة هذه القصص والادعاءات. ولم يتوقف الأمر عند تشتيت المتابعة فحسب، بل أدى هذا السلوك إلى تغذية الجفاء وتعميق الفجوة بين الملاك أنفسهم.
خامسا: التستر خلف العاطفة الدينية والنزاهة المصطنعة
يعمد دائما على توظيف الطابع الديني كأداة دفاعية وحصن إداري متين أمام الملاك. ويحرص على إظهار مظاهر التقوى والصلاة أمامهم، والحديث المستمر عن الخوف من الله ونظافة اليد لتكريس صورة نمطية عن أمانته المطلقة. ويمزج هذا الإقناع الذكي ذو الطابع الديني بأساليب انفعالية مدروسة تشمل كثرة الحلفان والصراخ والاندفاع عند أي مساءلة، لإضفاء صبغة "المظلومية المحاربة" على شخصه.
سادساً: شيطنة الكفاءات وانحدار الفكر الإداري لمراقبة الكاميرات والعزلة المهنية
يقوم المدير العام بتطبيق آلية ممنهجة لتشويه الأداء المهني للموظفين المتميزين، ليرسخ قناعة لدى الملاك بأنه صمام الأمان الوحيد. ولكي يغطي على الفراغ التشغيلي وعجزه عن تنشيط حركة استقطاب المرضى، لجأ إلى اختزال المنظومة الإدارية في ممارسات سطحية مثل:
متابعة شاشات الكاميرات: تتبع الحضور والغياب ورصد الحركات التفصيلية للعاملين بناءً على تقارير كيدية.
إقصاء الخبرات: إنهاء خدمات الكفاءات كخطوة استباقية تجنباً لكشف التخبطات الإدارية وتغطية معالم الفشل المالي المتراكم.
العزلة المهنية وفشل الاندماج: العجز الواضح عن المشاركة في الفعاليات التي ترفع الدخل وتحسن الأداء، مثل جمعية المستشفيات الخاصة، أو التنسيق مع مدراء المستشفيات الأخرى، والاندماج ببيئة فاعلة مثل نقابة الأطباء ووزارة الصحة؛ مما أدى لفقدان المنشأة لشبكة التعاقدات الحيوية.
الانشغال بتوافه الأمور مقابل إهمال الاستراتيجيات: استنزاف وقت الإدارة في تفاصيل هامشية لا تقع ضمن اختصاص "رأس الهرم"، مقابل ترك القضايا الجوهرية مثل زيارة الأطباء في عياداتهم للوقوف على احتياجاتهم وتتبع ملاحظاتهم المهنية؛ حيث أصبحت سياسة الإدارة ترتكز على "تغطية المشاكل" بدلاً من إيجاد حلول جذرية لها.
الخلاصة:
إن استمرار هذا النهج القائم على التفرد، وتشتيت الرقابة، وتعميق الخلافات البينية، وضع المنشأة أمام واقع تشغيلي متهالك ونزيف مالي مستمر. غياب المكاشفة الحقيقية وتغييب الحقائق الفنية والمالية عن مجلس الإدارة شكل تهديداً مباشراً لاستدامة المستشفى وقدرته على البقاء.
الدروس المستفادة من المقال:
1.وهم "الإدارة بالأماني": اليقين بأنّ التمني لا يدير مؤسسات، بل هو أسرع طريق للهلاك والانهيار.
2.الكفاءة خلف الأرقام: العبرة ليست في البيانات الصماء، بل فيمن يملك الاحترافية لقراءة وفهم ما خلف هذه الأرقام.
3.خطورة تجهيل الملاك: تغييب الرقابة التقنية المتخصصة سيؤدي حتماً إلى طريق مسدود لا ينفع فيه الندم.
4.كسر هالة "القدسية": الحفاظ على الكيانات الطبية يبدأ جذرياً بكسر هالة القدسية المصطنعة حول أي مدير، وإخضاعه للمساءلة.
5.سلطة المنطق والنتائج: وجوب إخضاع كل قرار لميزان المنطق والنتائج الميدانية، ورفض تمرير القرارات تحت غطاء العاطفة أو الدين.
صدام البدايات والمنعطف الحرج:
هنا نصل إلى لبّ القصة وصراعها الحقيقي؛ فمنذ اللحظة الأولى التي وضعت فيها قدمي في تلك المنشأة في بدايات مسيرتي، كنت أرى "خرق السفينة" بوضوح الشمس. ورغم يقيني المبكر بالانحدار، إلا أنني اخترتُ الصمود والمواجهة، وكان هذا الصمود مقبولاً وكنتُ متماسكاً إلى حدٍ كبير طوال 4 سنوات من العمل. لكنّ الأمور اتخذت منحىً مغايراً ومعقداً عند استقالة المدير المالي والإداري وصعود مدير مالي جديد إلى المشهد؛ حيث أصبح الوضع مركباً وشديد الحساسية، خاصة مع غياب "نافز القاروط" الذي ترك فراغاً زاد من تعقيد المشهد وصعوبة المواجهة. لقد كانت معارك إدارية طاحنة لمحاولة رتق الشقوق، ومن هنا بدأت ملامح "المواجهة الكبرى" التي سأكشف تفاصيلها في الأجزاء القادمة
