إدارة المنعطفات ومواجهة قوى الشد العكسي الجزء (9)

صورة شخصية لمهند الخضور بزي العمل الرسمي عام 2016، مأخوذة من مقال





شهدت هذه المرحلة، الممتدة من منتصف عام 2015 وحتى أواخر عام 2017، تحولاً جذرياً في بيئة العمل داخل المؤسسة؛ حيث انتقلنا من حالة "التخبط الإداري" التي أعقبت التغييرات الكبرى إلى مرحلة من الاستقرار النسبي الممنهج ، بعد أن ساد انطباع بأن التغييرات كانت تستهدف قطاعات محددة لغايات إعادة الهيكلة، وليست إنهاء خدمات عشوائياً. والتزاماً بالمهنية لن استطرد في تفاصيل هذه التغييرات، احتراماً لخصوصية هذا المكان الذي أقدره وحيث انها مدونة مهنية قمنا بتوضيح أهدافها سابقا.

مواجهة قوى الشد العكسي

واجهت الإدارة المالية في تلك الحقبة تحديات تمثلت في "قوى شد عكسي" من أطراف إدارية مستحدثة تفتقر للخبرة التخصصية في القطاع الصحي. كانت المحاولات تهدف إلى إدارة المنظومة من منظور حسابي ومالي جاف، متجاهلةً الاعتبارات الفنية والتشغيلية المعقدة، مما خلق حالة من التصادم الإداري نتيجة الجهل بخصوصية القطاع، وعدم ادراكهم للاعتبارات الفنية والتشغيلية التي تميز المستشفيات عن غيرها من القطاعات التجارية.

القيادة المالية: تجاوز المنحنى الأخطر

في مواجهة هذا المنحنى الخطير، برز دور المدير المالي، السيد نافز القاروط، الذي لم يكتفِ بالإشراف، بل كان يوجه طاقمه الفني مباشرة لتخطي أخطر مرحلة منذ تأسيس المستشفى. وبفضل هذا التوجيه الميداني، تمكن من:

​احتواء الإشاعات: التعامل مع التبعات النفسية والتشغيلية لإشاعات نية الملاك ببيع المستشفى التي انتشرت حينها.

حل المعضلات: تفكيك مشاكل إدارية ومالية كان يُعتقد أنها عوائق دائمة أمام تطور المستشفى.

فرض الاستقرار: تحويل التهديدات الوجودية إلى بيئة عمل مستقرة ومنتجة

تصدير الأزمات والتحول في الإدارة الطبية

​لا يمكن قراءة هذه المرحلة بمعزل عن التغيرات في الهرم الطبي؛ حيث اتسمت البدايات باحترافية عالية تحت قيادة قامة طبية عريقة (تشغل حالياً منصباً سياسياً بارزاً)، تلاها فترة انتقالية قصيرة تولاها جراح أعصاب لم يطل مكثه.

​إلا أن "التخبط الإداري" بدأ بالتشكل فعلياً في المرحلة التي تلت رحيل جراح الأعصاب مباشرة؛ حيث ظهر ضعف واضح في القدرة على الحسم واتخاذ القرار الاستراتيجي، وتحولت الإدارة الطبية حينها من جهة يُفترض أن تُعين وتدعم الإدارات الأخرى إلى "حمل زائد" عليها. تمثّل هذا الضعف في "تصدير المشاكل" بكافة أنواعها—سواء كانت فنية أو تشغيلية—إلى الإدارة المالية، مما وضع عبئاً إضافياً لمعالجة ملفات خارج الاختصاص الأصيل للدائرة المالية هرباً من مسؤولية المواجهة.

ملاحظة: الخوض في تفاصيل هذه التحديات الناتجة عن ضعف الإدارات الطبية ليس مكانه هنا، وقد يتم إفراده في مدونات تخصصية لاحقاً، فالمهم الآن هو توثيق أثر هذه المرحلة على المسار المهني

قطاع التأمين: الاستقرار، الوفرة، والتحول الاستراتيجي

الرغم من المعوقات، استطاعت دائرة التأمينات تحقيق استقرار تشغيلي ووفرة في النتائج المالية والتعاقدية، مستندةً إلى ركيزتين أساسيتين:
​كسر المركزية: كان للدعم الفني والإداري من المدير المالي، السيد نافز القاروط، الأثر الأكبر في هذا التحول؛ حيث منحنا صلاحيات واسعة للتحرك واتخاذ القرار.
​التمكين الإداري: انتقلنا من نموذج "الإدارة المركزية المقيدة" إلى نموذج "التفويض والمسؤولية"، مما أتاح لنا المرونة الكافية لإدارة ملف التأمينات بكفاءة عالية واحتواء الأزمات التي كانت تُصدر إلينا من الإدارات الأخرى.
المنهجية الاستشارية وإدارة المخاطر: إدراكاً منا ومن الإدارة المالية لثقل المسؤولية المترتبة على الاتفاقيات والقرارات الكبرى، تم تبني "النهج الاستشاري". كان المدير المالي يستعين بمستشارين تأمينين متخصصين لدراسة وحل بعض ملفات الاتفاقيات المعقدة، لضمان استناد القرارات المصيرية إلى رأي فني متخصص وتوزيع المسؤولية القانونية والفنية بشكل مؤسسي سليم، بعيداً عن الاجتهادات الفردية في القضايا ذات الأثر المالي العالي. 

استقرت المركب لعامين، وظن الجميع أن القواعد الثابتة التي أرسيت كفيلة بضمان الهدوء الطويل، لكن مع اقتراب نهاية عام 2017، بدأت تظهر في الأفق بوادر تغيير إداري جديد، أذنت ببدء فصل مغاير تماماً عما سبقه سنتكلم به بالمقال القادم بإذن الله.


ومضات من وحي التجربة (Highlights):

الإدارة التخصصية: إدارة المستشفيات تتطلب فهماً عميقاً لخصوصية القطاع الطبي، وليست مجرد حسابات مالية تقليدية.

قيمة التفويض: منح الصلاحيات للكوادر الفنية هو المفتاح لتحويلهم من "منفذين" إلى "مشاركين في الحل".

التكامل الفني: الاستعانة بالرأي الاستشاري المتخصص هو إجراء وقائي يحمي المؤسسة وكوادرها في القرارات الكبرى.

الثبات المهني: مواجهة "قوى الشد العكسي" تتطلب نتائج ملموسة على أرض الواقع لإثبات صحة المنهج الاداري

العبء الإداري: الإدارة الضعيفة (الطبية تحديداً) تتحول من جهة مساندة للمنظومة إلى "حمل زائد" عليها؛ حيث يُصدّر القصور الفني والميداني كأزمات إضافية لدوائر أخرى ليست من اختصاصها. 

فهرس السلسلة المهنية والتقارير الاستراتيجية

التنقل المباشر عبر الأجزاء والتقارير:

جميع الحقوق محفوظة © مدونة مهند الخضور