التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المربع الحرج: الحقائق أقوى من التبرير الجزء (20)

صورة توثيقية مركبة توضح التناقض بين الواجهة الخارجية الفخمة للمبنى الإداري والخلل الداخلي المتمثل في تسريب مياه من السقف فوق المكاتب ووجود لافتة عطل المصعد Out of Order

 


تنويه وإخلاء مسؤولية قانونية

إن كافة الوقائع، البيانات، والتحليلات الواردة في هذا المقال وما يليه تُنشر حصرياً بصفتها دراسة حالة تشغيلية وتحليلاً مهنياً مجرداً، مستنداً إلى خبرات ميدانية متخصصة في قطاع الإدارة والرعاية الصحية. يُطرح هذا النص بموجب الحق المهني والدستوري في النقد الموضوعي البنّاء، ولا يستهدف — علانية أو ضمناً — الإساءة، أو التشهير، أو النيل من السمعة التجارية أو الشخصية لأي كيان قانوني، أو منشأة طبية، أو أشخاص طبيعيين.

​إن الغاية الأساسية من هذا التشريح هي رصد الثغرات واستخلاص الدروس المستفادة لغايات الإصلاح المؤسسي وتطوير الأداء التشغيلي العام في هذا القطاع الحيوي. وعليه، فإن أي تشابه في الإجراءات أو التفاصيل العارضة لا يعدو كونُه نتاجاً طبيعياً لتكرار الأنماط التشغيلية التقليدية الشائعة في هذا المجال. بناءً عليه، يُخلي الكاتب مسؤوليته القانونية والأخلاقية الكاملة عن أي تأويل مغرض، أو إسقاط عشوائي، أو قراءة مجتزأة تخرج هذا الطرح عن سياقه العلمي، التوعوي، والتعليمي المحض.

​للاطلاع على الشروط القانونية التفصيلية الناظمة للقراءة والتفاعل، يُرجى مراجعة [بيان إخلاء المسؤولية الكامل والمعتمد للمدونة]، والذي يُعتبر قراءته والموافقة عليه جزءاً لا يتجزأ من شروط تصفح هذا المحتوى

ميزان الحسم: سنوات من الركود وإعادة إنتاج الخلل

​حين قطعتُ الوعد أمام قراء هذه المدونة بأن هذا المقال لن يكون كسابِقيه، لم يكن الهدف هو التصعيد لأجل التصعيد، أو ممارسة نقدٍ مجردٍ معزولٍ عن الواقع؛ بل هو وقفة تأمل حتمية في مسار منشأة أمضت ادارتها العامة سنوات في ادارتها دون تحقيق قيد أنملة من التقدم أو الإنجاز الملموس، سنوات عجاف والمنشأة تراوح مكانها؛ هوية تسويقية غائبة، حضور ضعيف، وافتقار مزمن للناتج والشهرة الملموسة، ​والسؤال الجوهري هنا: هل يعلم الملاك بحقيقة هذا التراجع وهم راضون به؟ المفارقة الصادمة تكمن في أنني ومنذ فترة ليست بالبعيدة، تطوعتُ شخصياً وحملتُ على عاتقي مخاطرة مهنية عالية، ووضعتُ بين أيديهم شرحاً معمقاً وتفصيلياً يكشف مشاكل هذه المنظومه القائمة وقدّمتُ طروحاتٍ وحلولاً واقعية وفاعلة للإصلاح؛ ولعلّ تقديمِي لحلولٍ تتضمن خيار الإبقاء على ذات الإدارة شريطة تعديل الصلاحيات وتقويم السلوك والتوجهات الإدارية هو أكبر دليل على أنني لم أكن يوماً مستهدفاً لأشخاصٍ بعينهم أو مدفوعاً بخصومة شخصية، بل كان كل همي هو تقويم النهج وإنقاذ المنظومة، إلا أن استجابة مجلس الإدارة جاءت صادمة لكل منطق؛ إذ جرى تكريس ذات السياسات وإغداق الثناء على الشخوص، مع الإصرار على تجميد المشهد التشغيلي وإبقاء الوضع القائم على ما هو عليه، وكأن المطلوب هو استدامة الخلل لا إصلاحه، واؤكد هنا ان هذه المكاشفة المهنية تأتي من باب المسؤولية المجتمعية لتسليط الضوء على المعايير الصحية العامة في القطاع، كدراسة حالة تحليلية لغايات التطوير والتوعية، دون استهداف أو تشهير بأي كيان محدد، وبما يضمن تقديم رؤية موضوعية لتعزيز الأداء وجودة الرعاية، ولكي نضع الأمور في نصابها الصحيح بكل موضوعية وتجرد؛ لو كان الأمر يتوقف عند حدود الخسائر المادية المجرّدة، أو تراجع الأرباح وحصّة السوق والشهرة، لما كلّفنا أنفسنا عناء الكتابة أو النشر ولما كان هذا التراجع مهماً للإنسان الطبيعي ليتحدث عنه؛ ففي نهاية المطاف، هذا مالُهم الخاص وهم أحرارٌ تماماً في كيفية إدارته، أو توجيهه أو حتى الهدر فيه، ولا يعنينا التدخل في حساباتهم التجارية ،لكن الموضوع خرج تماماً من سياق الحسابات المالية الخاصة والمغلقة بالمنشأة، وبات يمس سلامة وصحة عامة الناس ولو كان في تفاصيل هذا المشهد أي بارقة أمل للإصلاح الداخلي، لآثرت السكوت والله، لكن حجم الخلل بات يتطلب المكاشفة المجردة.
وفي هذا المقال، واستكمالاً للملفات التي فتحناها في الجزء (19) السابق، سأكتفي باستعراض نقطتين إضافيتين فقط من القضايا الحساسة والخطيرة، ولن أغوص في تفاصيلهما العميقة بل سأطرحهما بشكل عام ومبسط، راجياً فهمهما تماماً ضمن السياق الإنساني والمهني الذي حددناه في المقدمة. ومن باب الإنصاف وعدم ظلم أحد، فإنني لا أجزم هنا إن كان الملاك على علم بهذه الممارسات أم أنها تحدث وتمر دون معرفتهم؛ فالمهم ليس توجيه الاتهام لأحد، بل وضع الحقائق أمام الجميع.

أولاً: ادخال أدوية ومستهلكات طبية حرجة من خارج القنوات الرسمية وتغيير مسمياتها واكوادها في النظام

تتمثل هذه الممارسة في شراء بعض الأدوية والعلاجات الحيوية والمتخصصة (والتي تعمدتُ عدم تسميتها في هذا السياق ليبقى الطرح موضوعياً ومنصباً على سلامة الممارسة لا التشهير بالأصناف، مع تأكيدي القاطع على امتلاكي القدرة الكاملة والجاهزية التامة لإثبات هذا الكلام بالبراهين عند الضرورة) من مصادر غير رسميّة أو سوق موازٍ، وتغطية هذا الخلل بالنظام المالي بإدخالها تحت أكواد بديلة لأدوية ومستلزمات أخرى في نظام المستشفى المحوسب لتسهيل الفوترة والاستفادات الشخصية من ذلك.

  • الخطورة الطبية: الواقعية على المريض هنا لا تكمن في تسمم فوري، بل في فقدان هذه العلاجات الحساسة لفعاليتها الطبية حتماً نتيجة احتمالية تضرر ظروف شحنها وسلسلتها التبريدية أثناء النقل والتخزين غير المنضبط، مما يعني عدم استفادة المريض وتراجع حالته الصحية نتيجة طبيعة المرض نفسه، بالإضافة إلى خطر التلوث الجرثومي في حال تجزئتها.
  • الخطورة القانونية: في الأردن، تتمثل في ملاحقة المنشأة بتهم الاحتيال والفوترة المضللة بموجب قانون العقوبات الأردني في حال رفعها لجهات التأمين، ومخالفة أحكام قانون الدواء والصيدلة لشراء مواد من جهات غير مرخصة وتداولها خارج القنوات الرسمية، مما يترتب عليه عقوبات مالية مغلظة ومصادرة المواد وإتلافها، علاوة على إمكانية الملاحقة القضائية والمساءلة الإدارية للمسؤولين التنفيذيين والصيدلانيين في المستشفى

ثانياً: إعادة تعقيم المستهلكات الطبية ذات الاستخدام الواحد وتعديل إعدادات الحماية

تتمثل هذه الممارسة في قيام المستشفى بإعادة تعقيم بعض قطع اللوازم والمستهلكات الطبية الدقيقة، والمصنعة خصيصاً للاستخدام لمرة واحدة فقط، وإعادة تشغيلها لمرضى متعددين في غرف العمليات (وقد تعمدتُ تجاوز ذكر اسم الجهاز أو المستلزم الجراحي هنا لتركيز الضوء على الثغرة الرقابية ككل، مؤكداً في الوقت ذاته استعدادي التام لتقديم الإثباتات والوثائق القاطعة التي تؤيد هذا الحديث أمام جهات الرقابة المختصة إن لزم الأمر). ويجري تغطية هذا التجاوز محاسبياً بإدراج هذه المواد المعاد تعقيمها في العمليات التالية "بقيمة صفرية" لتخفيض كلف التشغيل دفترياً، مع الاستمرار في فوترتها على المرضى بسعر البيع الكامل وهامش الربح المعتمد؛ وذلك لإيهام الإدارة بأن هذا السلوك يصب في الصالح المالي للمنشأة ويحقق وفراً للميزانية يجنى على حساب سلامة المرضى وأخلاقيات المهنة.

  • الخطورة الطبية: الفعلية على المريض هي ارتفاع خطورة الإصابة بالتهابات حادة في العضو الخاضع للجراحة، نظراً لأن التصميم الهندسي الدقيق لهذه المستهلكات وقنواتها الميكرونية الضيقة يجعل من المستحيل تنظيفها تماماً من بقايا الأنسجة أو السموم البكتيرية الميتة بالتعقيم التقليدي، وهو خطر طبي قد يهدد السلامة العضوية للمريض، بالإضافة إلى احتمال اختلال دقة تدفق السوائل والضغط أثناء الجراحة نتيجة تلف خامة المستهلك بالتعقيم المتكرر.
  • الخطورة القانونية: تتمثل في إدراج هذه الممارسة تحت بند الإخلال الصريح بالواجبات المهنية والمعايير الطبية المعتمدة بموجب قانون المساءلة الطبية والصحية ونظام المستشفيات، الأمر الذي يُعرض المنشأة لعقوبات قد تصل إلى الإغلاق الفوري.
​"ختاماً، إن المرء لا يملك في مثل هذه المواقف إلا أن يترفع بأمانته المهنية ونواياه الصادقة عن كافة الأساليب الجانبية، أو المهاترات العابرة التي يحاول البعض اللجوء إليها للتشويش على جوهر الحقيقة؛ فدافعنا الأول والأخير كان وسيظل دائماً هو الحرص المجرد على سلامة الناس، ونحن أكبر من أن نلتفت أو نضيع الوقت في ردود فعل لا تقدم ولا تؤخر. هذه المكاشفة ما هي إلا خطوة أولى وبداية الغيث، وللحديث بقية طويلة في المقالات القادمة التي تحمل في طياتها الكثير والكثير من الملفات والحقائق الموثقة التي يجب أن تُطرح بكل أمانة ومسؤولية. وصدق الله العظيم إذ يقول:
​﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾

للاطلاع على كافة أجزاء السلسلة المهنية والتقارير الاستراتيجية، تفضل بزيارة الفهرس الكامل:

الوصول إلى الفهرس الكامل