استكمال المسار: بين أمانة التوثيق وواقع التنظيم المترهل
نواصل اليوم نشر هذه السلسلة عبر مدونتنا هنا، بالتوازي مع خطوات الانتقال الرقمي والاندماج مع منصة (WordPress)، ليس رغبةً في استنزاف الجهد بتكرار البديهيات، بل التزاماً باستكمال مرجع تحليلي وإداري يضع بين يدي القارئ والمتخصص تشريحاً كاملاً لواقع المنظومات الإدارية. ولنكون في غاية الصدق والواقعية، فإن حجم الاختلالات والتجاوزات المشهودة في بعض المؤسسات الطبية كفيلٌ بأن يمدّنا بآلاف الأسطر والمقالات لأشهر طويلة دون أن نصل إلى نهايتها؛ لفرط ما تراكم فيها من عشوائية وتخبط لا ضابط له.
غير أن رفع "دوز" النقد، أو الاستمرار في جلد مؤسسات أصبحت في حكم المنتهية عملياً وإدارياً، هو أقرب إلى "الضرب في الميت" — استنزاف لا طائل منه أمام كيان أيامه معدودة أصلاً.
بفضل الله، ومنذ ما يزيد عن شهر، كانت أهداف هذه المدونة قد تحققت فعلياً على أرض الواقع. وهذه الأهداف، لمن أراد أن يقرأها بوضوح تام، هي:
• توثيق الذاكرة المهنية قبل أن تتبخر: تحويل ما عاشه الكاتب ميدانياً من مواقف ووقائع إلى سجل مكتوب لا يخضع لتقلب الذاكرة ولا لتبدل الروايات مع الزمن، فيبقى شهادة ثابتة بتاريخ ونشر، لا قابلة للإنكار أو إعادة الصياغة لاحقاً من أي طرف.
• بناء إرث معرفي يتجاوز صاحبه: إنتاج مرجع تحليلي يُقرأ بعد سنوات من كتابته بالقيمة ذاتها التي كُتب بها، ليُفيد كل من يواجه ذات الاختلالات في بيئات مختلفة، بحيث يتحول الأثر الشخصي إلى معرفة مؤسسية عامة.
من يراجع هاتين النقطتين بعين محايدة يدرك أن لا علاقة لأي منهما بما قد يُلمَّح إليه أحياناً من نوايا لا تمت للمهنية بصلة. وإذا كانت هذه المدونة قد كشفت أشياء كان يُراد لها أن تبقى مستترة، فذلك لا يُحسب عليها ذنباً، بل يُحسب لها فضلاً؛ فالواقعية ليست تهمة، والتوثيق ليس عداءً.
التحليل السلوكي: بين وهم الطمأنينة وعناد المكابرة
من زاوية علم الإدارة والتحليل السلوكي للمؤسسات المتعثرة، يُدرس نمط "التجاهل الظاهري" كآلية دفاعية عاجزة؛ إذ تلجأ بعض الإدارات إلى التصنّع بعدم الاكتراث لتغطية حجم الأزمة الحقيقي عن أعين من حولها. غير أن القراءة التنظيمية المجردة، الباردة والمحايدة، تكشف أن هذا السلوك لا يعكس استقراراً ولا هيبة، بل يجسّد حالة صريحة من الانفصال التام عن الواقع التشغيلي والمالي.
علما انه وبصدق لو لمسنا أدنى تحركات جاد لتصويب المسار، أو رغبة صادقة في إصلاح الخلل الهيكلي وانتشال المنشأة من عثراتها، لكان التوقف عن النقد هو الموقف الأخلاقي والمهني البديهي؛ فالعثرات الإدارية تقبل التصحيح، والرجوع عن الخطأ فضيلة تُحترم ويُرفع لها القبعة. لكن أن تصل المكابرة بالإدارة إلى حد التضحية بأصول المنشأة ومستقبلها لمجرد إثبات موقف شكلي، وإظهار "عدم التأثر" أمام الملأ، فهذه هي السطحية الإدارية بعينها، عارية من أي غطاء.
وفي النهاية، إظهار الاكتراث أو نفيُه لن يغيّر من واقع الأرقام والمعطيات شيئاً؛ فالذي يخسر أصوله وسمعته وموقعه ليس من يوثّق الخلل بعين الخبير، بل من يمتنع عن ترميم بيته حمايةً لكبريائه الزائف. التغاضي لا يمنح حصانة، بل يسرّع الاستحقاق الحتمي الذي لا ينفع معه الندم حين يحين.
المسحات المخفاة وشماعة "التآمر": كيف تُحمَّل بعض الادارات اطباءها ثمناً لفشلها؟
من أكثر الملفات إيلاماً في كواليس الإدارة الصحية هو ذلك النهج الذي تعتمد فيه بعض الإدارات التنفيذية على رمي فشلها الإجرائي على عاتق التشكيك، وشماعة "التآمر"، وتحديداً تجاه الكوادر الطبية والأطباء. ولتجريد هذا الواقع من كل تجميل، نأخذ ملف ضبط العدوى كدراسة حالة؛ فحين تتكرر الالتهابات والعدوى البكتيرية في جروح العمليات، داخل بيئة يُفترض أن تكون معقمة بالكامل، وتكشف نتائج المسحات وجود تلوث فعلي موثّق، تعمد بعض الإدارات الفاشلة إلى إخفاء هذه النتائج القطعية، وإيهام الكادر بأن البيئة "نظيفة ومثالية".
والأدهى من ذلك أنه حين يرفع الأطباء صوتهم لحمايةً لمرضاهم وسمعتهم المهنية، تُسارع الإدارة إلى ابتكار رواية "التآمر والمجاكرة"، متهمةً الأطباء بالتحريض والتضييق على المنشأة! إنها مفارقة عجيبة أن يُتّهم الطبيب بالتآمر على مكانٍ تُعتبر سلامته واستقراره مصلحةً مباشرة له، ولسمعته، ولقاعدة مرضاه. هذا الأسلوب المستغرب في "تخوين الجميع" هو ملجأ كل إدارة عاجزة ، والطريف في الأمر —بسخرية تتجاوز التوقعات— أن هذه الدراما الهشة تنطلي بسهولة على مُلاّك هذه المنشآت، الذين يفضلون ابتلاع وهم "المؤامرة" ليعزّوا أنفسهم عن الفشل التشغيلي العريض. وعلى أي حال، فقد استُوفيت قصصهم وحكاياتهم حقها من التوثيق والتفكيك، ولا حاجة لإعادة ما أصبح بديهياً؛ فالصورة باتت جليّة ومكتملة الأركان أمام الجميع وفي النهاية، فإن المحصلة النهائية والنزيف المالي والمهني لن يقع إلا على كاهل الملاّك أنفسهم، ولسنا معنيين بتغيير واقع أحد ؛ فليس أصدق ولا أعمق تعبيراً عن هذه الحالة من القول الإلهي المحكم: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا﴾، لتأتي النتيجة الحتمية كما صوّرها القرآن الكريم: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾.
تجاوزات خطيرة خلف السطور: استهتار تشغيلي يهدد بمرسوم الإغلاق
ثمة من قد ينظر إلى تلك التفاصيل التشغيلية بوصفها هفوات إدارية عابرة، إلا أن الحقيقة التشريعية تقول بغير ذلك. فبعض البنود منها ما يمثل مخالفة صريحة وجسيمة، تمنح الجهات الرقابية سنداً قانونياً موجباً لإغلاق المنشأة بالشمع الأحمر مثل:
• الصفقات والباقات المُقايسة: تسويق عروض مالية مقطوعة وشاملة لكل التدخلات الطبية، بدافع الاستقطاب التجاري المحض، في تجاوز صريح للتشريعات الناظمة والمحددة قانوناً لأسعار الخدمات الطبية.
• مخالفة نطاق الترخيص المعتمد: إجراء جراحات وتدخلات تحت التخدير العام داخل أقسام غير مرخصة أصلاً للتعامل مع هذا النوع من العمليات الحساسة، في مخاطرة تشغيلية كبرى تنتهك الشروط الرسمية كلياً.
• الاستعانة غير الرسمية بالكوادر: تشغيل أطباء موظفين في قطاعات أخرى بنظام الشفتات غير الرسمية، لسد العجز التشغيلي دون عقود أو غطاء إداري حاسم.
• تجاوز الاشتراطات البيئية والبنائية: التغاضي المتعمد عن معايير التهوية والتمديدات الصحية، وآليات التعامل مع الفضلات الطبية الخطرة والتخلص منها.
هذه ليست مجرد ملاحظات هامشية، بل هي المحور الذي سنتناوله في المقال القادم بالتفصيل ان شاء الله .
المذكرات المهنية وضوابطها
أشعر اليوم بفخر واعتزاز عميق وأنا أرى الجزء الأكبر من هذه المدونة وقد أبصر النور، حامداً الله على توفيقه، ومؤكداً أن الحفاظ على المهنية كان وما يزال البوصلة التي توجه كل خطوة وكل حرف يُكتب هنا. إن هذا الالتزام لم يكن مجرد شعار، بل هو قاعدة أخلاقية وعملية أحرص على أن تبقى معياراً ثابتاً لا يُساوم عليه، مهما تنوعت الظروف أو تبدلت السياقات.
رغم أن هذه المساحة قائمة على مذكرات مهنية، إلا أنها في جوهرها تبقى مذكرات شخصية أملك حق روايتها بالشكل الذي أشاء، فهي ملكي الخاص ونتاج مسيرتي وتجربتي. ومع ذلك، اخترت عن وعي كامل أن أترفع عن سرد الأحداث الشخصية أو القصص الذاتية في مراحل مهمة؛ لأن أي سرد قد يُظهر أشخاصاً بعينهم أو يشير إليهم حتى لو لم يتم ذكر أسمائهم بصورة غير مرغوبة أو يضعهم في مواقف قد تسبب لهم حرجاً أو تكشف ما لا يرغبون في إظهاره. فبعض هذه التجارب لم تكن بالضرورة إيجابية، ولذلك كان القرار الحاسم أن نترفّع عن ذكرها كاملاً، ونُبقي القصة في صورتها المهنية الصرفة، بحيث تُحفظ التجربة وتُوثّق دون أن تُشخصن أو تُدخل الآخرين في دائرة الضوء.
هذا الموقف لم يأتِ من فراغ، بل تأسس أولاً على وازع داخلي، ثم تعزز بمحبة ورعاية والدتي حفظها الله، التي كانت دوماً مصدر الحنان والنصح، فتوجهني بروح الأمومة إلى الترفع عن التفاصيل الشخصية، وتذكرني أن الكلمة مسؤولية وأن السرد يجب أن يبقى نقياً من أي ما قد يجرح أو يحرج. ثم جاء دور مدرائي السابقين الذين شددوا عليّ في هذه المدونة ، وفي مقدمتهم الأستاذان الفاضلان نافز القاروط وشاهر العبادي، بأن ألتزم بالجوهر المهني وأطر العمل، وألا أشخصن أو أسترسل في وصف وسرد اي أحداث ذاتية. لقد كان توجيههم بمثابة الضابط الذي أمضي عليه، والقاعدة التي أعوّل عليها في كل ما يُكتب هنا.
خُطى ثابتة، ونوايا صادقة، وتوكّلٌ دائم… هذه هي ملامح المسيرة التي أستند إليها في حياتي، لتبقى الرؤية واضحة والرسالة قوية مهما تغيّرت الظروف.
للاطلاع على كافة أجزاء السلسلة المهنية والتقارير الاستراتيجية، تفضل بزيارة الفهرس الكامل:
الوصول إلى الفهرس الكامل