التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حين تنتهي المؤسسة ويبقى الملف مفتوحاً الجزء (27)

 
صورة شخصية للكاتب مهند الخضور (أبو زينة) - مدونة مذكرات مهنية وتقارير استراتيجية

وثّقنا في الأجزاء الأخيرة وبشكل قاطع كلمة الفصل: إن الاستمرار في جلد جهات انتهت عملياً وإدارياً هو استنزاف لا طائل منه. وما يدفعنا اليوم للجزم بأن هذه المنشآت وصلت نهايتها المحتومة، هو أن كل يوم يمر بات يكشف معطيات جديدة ويُميط اللثام عن تفاصيل وممارسات كان يُراد لها أن تبقى غائبة؛ ناهيك عن التحركات المتسارعة التي ترصدها العين الميدانية لعدة أطراف تحاول السعي لاستقطاب إدارات جديدة للترقيع والاستلام، بمساعدة واستعانة أحد مدراء المستشفيات المعروفين في القطاع. هذه التحركات ليست علامة حياة أو تعافٍ، بل هي الدليل القاطع على حالة الإرباك والاستنزاف الأخير، ومحاولة بائسة للهروب إلى الأمام قبل السقوط النهائي.

​تنويه إجرائي وقانوني حاسم

هذا المقال ليس خطة إنعاش ولا يحمل أوهاماً تصحيحية؛ فالإصلاح يفترض وجود هيكل قابل للحياة، وهو افتراض سقط بالكامل بعدما اثبتنا في المقالات السابقة أن العشوائية نمط بنيوي متجذر في صناعة القرار. ومن باب وضع القارئ أمام الصورة الإدارية الصحيحة نبيّن في هذا المحور كيف تتم التصفية عادةً وما هو المسار الطبيعي والأصول الواجب اتباعها للتعامل مع المشهد الأخير دون فتح باب للأمل الكاذب بالاصلاح ، وبما يضمن أقل ضرر ممكن لمن لا ذنب لهم فيما آلت إليه الأمور، وأقصى محاسبة ممكنة لمن تسبب بها.
 علما بأن هذا المقال لا يستهدف منشأة بعينها، ويخضع لـبيان إخلاء المسؤولية الكامل المعتمد في المدونة، والذي يُعتبر الاطلاع عليه وقراءته جزءاً لا يتجزأ من شروط تصفح هذا المحتوى والتفاعل معه.

أولاً: حظر الإدارة التنفيذية من إدارة المرحلة الانتقالية (تذكير ببديهيات الإدارة)

من أصول العمل المؤسسي وأبجديات الإدارة، يُعتبر منع الإدارة التنفيذية المتسببة بالأزمة من الإشراف على نقل السلطة، أو فلترة ملفات التسليم، أو التدخل في اختيار من يخلفها (فيما لو اتجهوا لمسار عدم التصفية) قاعدة بديهية يُفترض انها لا تحتاج لتذكير أمام أصحاب القرار، سواء كانوا من المُلاّك، أو المعنيين من مجالس الإدارة، أو اللجان المشرفة. والتذكير بأمر أساسي كهذا قد يبدو في ظاهره مستهجناً، وكأننا نُكرر ألف باء العمل الإداري من الصفر.

لكن الدافع الوحيد لتثبيت هذه البديهية هنا صريح وميداني؛ فالإدارة التنفيذية التي نجحت في تضليل الجهات العليا والالتفاف على أصحاب الملكية والقرار طوال المراحل السابقة وفي ملفات كبرى، لن تعجز عن ممارسة خدعتها الأخيرة تحت غطاء "تنسيق الاستلام والتسليم" أو "ترشيح البديل". إن السماح لهذه الإدارات بلعب أي دور في ترتيب المشهد القادم يعني منحهم الفرصة الذهبية لترقيع السجلات، وتغطية التجاوزات، واختيار إدارة جديدة تضمن لهم خروجاً آمناً بلا محاسبة.

وإذا كان هذا الأمر مطروحاً أو مقبولاً بالفعل من قِبل بعض الأطراف في دائرة القرار العليا اليوم، فهنا تكمن المأساة الحقيقية؛ إذ إن التغاضي عن هذه البديهية يضع تلك الأطراف نفسها تحت مجهر الشك المباشر. فموافقتهم أو تسهيلهم لهذا المسار لن يُفهم في الشارع المهني إلا كعلامة استفهام أشد خطورة: ما هو سر هذا التواطؤ مع إدارة ألحقت بالمنشأة كل هذا الخراب، ولصالح من يُصنع لها خروج آمن؟

ثانياً: المريض لا علاقة له بمصير المنشأة

حق المريض في الرعاية الطبية الكاملة لا يتغير مهما كانت حالة المنشأة إدارياً أو مالياً. هذا حق ثابت وقائم بذاته، لا صلة له بكون الإدارة تنهار أو تُصفّى أو تبحث عن مخرج لنفسها.

القرار الطبي يجب أن يبقى بيد الطبيب المختص وحده، بعيداً تماماً عن أي حساب إداري أو مالي يُناقَش في اجتماعات لا علاقة للمريض بها. وأي نقص في دواء أو مستلزم أساسي يجب أن يُسدّ فوراً، لا أن يتحول إلى ذريعة لكسب وقت أو تبرير تقصير.

فإن استمرت المساومة على حساب المريض في هذه المرحلة تحديداً، فالمسألة لم تعد "إخفاقاً إدارياً"، بل تتحول إلى جريمة موصوفة، لا تسقط بالتقادم ولا تشفع فيها أي مبررات.

ثالثاً: الكادر الطبي والتمريضي والفني.. استحقاق الحقوق وسقوط ادعاء الضحية

الحقوق المالية والرواتب المستحقة للكادر الطبي والتمريضي والفني التزام قانوني خالص، واجب السداد بقوة القانون، بلا فضل من أحد ولا منّة.

لكن هذا الاستحقاق المالي لا يمنح الكادر صك براءة أخلاقية أو مهنية، ولا يُشرعن له لعب دور "الضحية" بعد فوات الأوان. فالحقيقة القاسية تقول: أين كانت هذه الكوادر حين كانت معايير السيطرة على العدوى تتهاوى، والخدمات تتراجع، والمنشأة تنحدر نحو الفوضى؟ الصمت طوال تلك المراحل، والتغاضي عن الخلل أمام أعينهم، كان خياراً ارتضاه كثيرون طالما بقيت الحقوق المالية مؤمَّنة.

ومن باب سد الباب على أي مقارنة فاسدة تدّعي أن هذا التوثيق "جاء متأخراً بعد المغادرة": هذا الطرح أولاً، تحليل عام لا يستهدف أحداً بعينه. وثانياً، فأنا لم أكن يوماً في أي موقع "الشيطان الأخرس" الذي يرى الخلل ويصمت عنه طلباً للسلامة؛ فحيثما كنت جزءاً من أي معادلة مشابهة، كان نقدي حاضراً بالقول والفعل، صراحة وفي وجه القائمين عليها، تماماً كما يُطرح هنا، وبلا تردد.

المستحقات المالية يحسمها القانون. أما صمت أصحاب الاختصاص وتغاضيهم الممتد، فلا قيمة له اليوم، ولا يُغيّر من الحقيقة شيئاً.

رابعاً: التحفظ على السجلات وتجميد المصاريف غير التشغيلية

لكي يعلم القارئ كيف تُدار الأمور إجرائياً في مثل هذه الحالات، وبعيداً عن توجيه الكلام أو النصح لأحد — فقد أدرك المعنيون هذه الإجراءات أم لم يدركوها، فهذا شأنهم — تتلخص الخطوات المعمول بها قطاعياً في مسارين أساسيين:

حماية البيانات والأرشيف: التجميد الفوري للصلاحيات الرقمية، والتحفظ الكامل على السجلات الطبية والمالية، لمنع أي تعديل على البيانات.

ضبط النفقات: إيقاف المصاريف الاستشارية والجانبية غير الضرورية، وتجميد التواقيع المالية الخاصة بالإدارة السابقة.

والهدف الذي يهم القارئ معرفته هنا بسيط وواضح: الموارد المتبقية في مثل هذه الظروف، مكانها الطبيعي والوحيد هو تأمين المستلزمات الطبية الأساسية، وسداد حقوق الكوادر التي تعمل بأيديها داخل الأقسام، لا أن تُهدر في مصاريف لا علاقة لها بالخدمة العلاجية.

خامساً: الشراكة الصامتة، المحاسبة لا تقف عند صاحب القرار الأول

من أخطر الأوهام التي تُروَّج في اللحظات الأخيرة لأي منشأة انتهت فعلياً، هو حصر المسؤولية بصاحب القرار الأول وحده، وكأن كل من حوله كان مجرد شاهد عابر بلا حول ولا قوة. فالانهيار لا يصنعه فرد بمعزل عن منظومته، بل تصنعه سلسلة من المواقع التنفيذية الحساسة — كل من كان يملك صلاحية توقيع، أو صلاحية اعتماد، أو صلاحية تمرير قرار وهو يعلم يقيناً أنه مخالف — كان شريكاً فعلياً في صناعة هذا المصير، سواء بالتنفيذ المباشر أو بالتغطية الصامتة.

فمن كان يوقّع على الصرف وهو يعلم أن الصرف غير مبرر، ومن كان يدير الملفات الوظيفية وهو يغطي على تجاوزات كان واجبه المهني يفرض عليه الإبلاغ عنها، لا يقلّان مسؤولية عمّن اتخذ القرار الأول. بل ربما يفوقانه خطورة؛ لأن صاحب القرار الأول يتحرك من موقع السلطة المباشرة، أما من يمكّنه وهو عالم بحقيقة الأمر، فيتحرك من موقع الشراكة الكاملة في النتيجة.

وحين يحين وقت المحاسبة، فإن الملف لا يُقفل عند اسم واحد، بل يمتد إلى كل من وقّع، أو اعتمد، أو صمت وهو قادر على الكلام.

خلاصات حاسمة

التصفية ليست إصلاحاً، ولا يجوز قراءتها كذلك: أي إجراء يُتخذ في هذه المرحلة غايته الحد من الأضرار ومحاسبة المتسبب، لا محاولة إحياء مؤسسة ثبتت استحالة استمرارها.

النهاية القانونية للمنشأة لا تعني إغلاق الملفات الفردية: المنشآت قد تُغلق وتنقضي شخصيتها الاعتبارية، لكن التبعات المرتبطة بالأسماء والتواقيع الشخصية لا تزول معها.

حق المريض مستقل عن ظروف المنشأة: الرعاية الطبية التزام أخلاقي وقانوني ثابت، لا مساومة عليه ولا تجزئة فيه، بصرف النظر عن المرحلة التي وصلت إليها المؤسسة.

الحقوق المالية للكادر الطبي والتمريضي والفني استحقاق منفصل: الموظف صاحب حق قانوني واجب السداد، ولا يجوز ربط مستحقاته بمصير جهة العمل أو اتخاذها ورقة في أي صراع.

المسؤولية سلسلة ممتدة لا نقطة منفردة: من وقّع، أو اعتمد، أو غطّى على التجاوزات، شريك كامل في النتيجة، بصرف النظر عن موقعه في الهرم التنفيذي.

تنويه سياقي: لماذا ندرج هذه الخلاصات في هذا المقال تحديداً؟

طوال الأجزاء الماضية — وتحديداً منذ الدخول في سلسلة "المربع الحرج" — توقفنا عمداً عن كتابة هذه الخلاصات؛ فالواقع الحاد المعاش لم يكن يحتمل هذا الترف، والتجاوزات المتتالية لم تكن أخطاءً يُستفاد منها بقدر ما كانت كوارث تُوثَّق للمساءلة، لا دروساً تُستخلص من الفوضى.

أما اليوم، وبعد أن أفردنا هذا المقال كاملاً لتفكيك آلية الإنهاء والتصفية ووضع النقاط على الحروف، أصبحت العودة إلى تثبيت هذه "الخلاصات الحاسمة" ضرورة؛ فهذا المقال بحد ذاته يمثّل الخلاصة الكلية والنتيجة المباشرة لسلسلة الأخطاء المتراكمة، وثيقة تثبت العِبرة، وتحفظ حقوق الناس، وتُحدد المسؤولية الفردية بشكل حاسم.

النهاية التي كنا نتحدث عنها في الأجزاء السابقة لم تعد احتمالاً نظرياً، بل واقعاً يُقرأ من نمط القرارات نفسها داخل هذه المنشآت. وما يُطرح هنا ليس توقعاً افتراضياً ولا تحليلاً معلقاً في الهواء؛ الحقائق والمعطيات الميدانية باتت واضحة كل الوضوح، وما هذا المقال إلا توثيق لواقع قائم فعلاً لا مجازاً: فهذه المنشآت انتهت، انتهت اليوم لا غداً، ولم يبقَ من عمرها التشغيلي ما يستحق الرهان عليه.

﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾
صدق الله العظيم 

للاطلاع على كافة أجزاء السلسلة المهنية والتقارير الاستراتيجية، تفضل بزيارة الفهرس الكامل:

الوصول إلى الفهرس الكامل