يُعاد التأكيد ابتداءً على أن كافة البيانات، الوقائع، والتحليلات التشغيلية الواردة هنا وفي سائر الأجزاء تُطرح بصفتها دراسة حالة قطاعية مجردة تعنى بالمسارات التنظيمية العامة، ولا تستهدف منشأةً بعينها أو مؤسسةً بذاتها وتنشر لغايات تبادل الخبرة في قطاع الإدارة والرعاية الصحية، يُرجى مراجعة [بيان إخلاء المسؤولية الكامل والمعتمد للمدونة]، والذي يعتبر قراءته جزءاً لا يتجزأ من شروط تصفح هذا المحتوى والتفاعل معه.
استكمالاً لما طرحناه في الجزء السابق حول "ملف السجلات الطبية"، ونظراً لأن هذا الملف أعمق من أن يُختزل في مساحة واحدة، سنواصل في هذا المقال تسليط الضوء على أحد أخطر الآثار المترتبة على فوضى هذا الملف تحديداً.
في ختام الجزء السابق، طرحتُ سؤالين حرجين يمسّان عمق الأمان القانوني والجسدي في المنظومة العلاجية: هل أدى غياب السجلات إلى طمس السبب الحقيقي لحالات الوفاة؟ وهل مهد الطريق لإفلات المتسبب الحقيقي وتحميل المسؤولية لبريء لا ذنب له؟
لا أملك إجابة قاطعة هنا، فذلك شأن القضاء وجهات التحقيق. ولكنني أعتقد، ومعي كل من يقرأ هذه السطور، أن الإجابة ستتضح مع نهاية هذا المقال وما يحمله من تفاصيل.
1. إعدام الدليل: بين الإهمال المتفشي والتلاعب المتعمد
إن غياب السجل الطبي أو اللجوء إلى اصطناعه وتعديله بأثر رجعي عند الطلب ليس مجرد مخالفة ورقية عابرة. هو في أكثر صوره إهمال متفشٍ يضرب جذور التوثيق الطبي، ويصل في حالات إلى تلاعب متعمد يُتخذ لإنهاء إمكانية التتبع السريري نهائياً، وتحويل القضية إلى مسار قانوني معتم بالكامل. والنتيجة واحدة: تدمير فعلي للقرائن قبل أن تصل إلى أي جهة تحقيق محايدة. هذا العبث في المستندات، سواء صدر عن إهمال أو عن قصد، يُستخدم لتغطية التقصير وتفصيل رواية تتناسب مع مصلحة إدارة المستشفى؛ بهدف تبرئة ساحتها من أي تبعات قانونية أو إدارية. هذا الأمر يتسبب مباشرة في طمس الأسباب الحقيقية وراء الحوادث والانتكاسات، ويجعل من السهل جداً تحويل المسؤولية الكاملة وتلبيسها لأي طبيب أو ممرض كان في مواجهة الحالة، مستغلين غياب وثيقة رسمية حقيقية تحميه وتُظهر واقع ما جرى.
2. غياب المساءلة: من الملفات الخاوية إلى كيمياء الإفلات
والأدهى من ذلك، أن هذا الإهمال يضرب أبسط البديهيات والبروتوكولات الطبية الحتمية؛ إذ تجد ملفات لعمليات جراحية وتداخلات كبرى تخلو تماماً من تقرير طبيب التخدير قبل الجراحة، أو رصد وتوثيق العلامات الحيوية للمريض أثناء العملية، وحتى تدوين حالته ومؤشراته الطبية بعد الخروج إلى قسم الإفاقة أو الغرفة.
والمفارقة العجيبة هنا، أن الأطباء أنفسهم الذين يتركون الحبل على الغارب في هذه البيئة الفوضوية، يعملون في مستشفيات أخرى وتجدهم هناك في غاية الالتزام والإنتاجية، يوثقون أدق التفاصيل والتقارير القانونية والطبية دون تأخير؛ والسبب في هذا التناقض بسيط؛ هؤلاء الأطباء وجدوا في المنشآت الأخرى إدارة حازمة ونظام حوكمة حقيقي يحاسب على السطر والكلمة، بينما في هذا المكان، وجدوا بيئة لا وجود فيها لمفهوم المساءلة. ما يوصف بـ "الطاسة ضايعة" هو في واقعه غياب متعمد لأي خط رجوع إداري، مما يحول كل طبيب إلى هدف مكشوف، ويعني أن الإدارة اتخذت قرارها بعدم وجود ما يحمي الممارس الصحي في أي نزاع قادم.
3.إدارة الأزمات بالتلفيق: صناعة البراءة للمنشأة وتلبيس التهم للطبيب
ولبيان الواقع كما هو بعيداً عن التنظير، إليكم هذه الحادثة الواقعية التي اطلعت على تفاصيلها بنفسي في إحدى المؤسسات الصحية، والتي تُظهر كيف يتم التلاعب بالأوراق والملفات لرمي المسؤولية كاملة على الطبيب وتبرئة المستشفى:
في إحدى القضايا الحرجة التي تلت وفاة أحد المرضى، أُعيدت صياغة الملف الطبي لأكثر من خمس مرات متتالية. وطوال فترة التعديل هذه، لم تترك الإدارة الملف في قسم السجلات المتهالك؛ لعلمها اليقين أن القسم يعيش فوضى عارمة ويمكن لأي أحد دخوله وسحب الأوراق بسهولة، بل قامت بنقل الملف وإيداعه في مكاتب إدارية مغلقة خارج قسم السجلات. الإجراء هنا لم يكن مجرد حفظ، بل كان منعاً فعلياً للطبيب المعني من ممارسة حقه القانوني في توثيق دفوعاته على ذات الملف. فبينما كان يحاول بشتى الطرق الوصول إلى الملف لتثبيت ملاحظاته الطبية والإجراءات الفعلية التي اتخذها لحماية موقفه القانوني، كان الملف يتنقل بعيداً عنه بين المكاتب، ليجد نفسه في النهاية مجرداً من أي مستند رسمي يدافع به عن نفسه.
ولسوء حظ هذا الطبيب، فإن المراسلات والتحقيقات الرسمية القادمة من وزارة الصحة واستفساراتها كانت تَرِد بحكم خط السير الإداري مباشرة إلى إدارة المستشفى لا إلى الطبيب. وهنا استغلت الإدارة هذه الثغرة الإجرائية؛ فتولت بنفسها صياغة الردود والتقارير الموجهة للوزارة، وقد صيغت تلك الردود الرسمية للجهات العليا بصفتها رواية الإدانة الوحيدة التي تُعتمد، خاليةً من أي أثر لمسؤولية المنشأة، ومُثقلةً بكل بند يمكن إسناده للطبيب. الهدف كان واضحاً: إحكام إغلاق دائرة الاتهام حول الطبيب وحده، وسعي الإدارة إلى إخراج نفسها من أي مسار للمساءلة، عبر بناء رواية رسمية بديلة تسبق أي تحقيق محايد وتوجه بوصلته مسبقاً.
4.لعبة الوجوه المتعددة: من مجاملات العلن إلى جنون الارتياب
إن حقيقة الخلل في فكر هذه الإدارات العامة هنا تتلخص في الاعتماد على نهج قائم على الالتفاف واللعب على حبال متعددة للتغطية على الفشل الإداري؛ حيث يُستقبل الأطباء بالترحاب والمجاملات العلنية المبالغ فيها، بينما تُدار في الكواليس سياسات للطعن وإشعال الخلافات والمشاكل بين الأطباء أنفسهم. وعند حدوث أي مشكلة أو مواجهة، يتم فوراً تبني دور المندهش والمتفاجئ للتنصل من المسؤولية. وكنتيجة حتمية لهذا الأسلوب في الإدارة العامة، تنقلب هذه الممارسات على من يمارسها؛ فينخر القلق في نفوسهم كما ينخر السوس في الخشب، وتتحول مكاتبهم إلى زنازين مراقبة. يصبح كل موظف خصماً محتملاً في نظر الإدارة، وتعيش في حالة استنفار دائم، تتعقب الظلال خلف الأبواب، فلا ترتاح لهم أعين ولا تهدأ لهم جوارح.
وفي خضم هذا الارتياب المقيم، قد يظن المرجفون أن في هذا الطرح ما يستوجب التشكيك. لكن من المبادئ المستقرة أن الكلام الذي يخرج علناً، باسم صريح، وبتوثيق يمكن تدقيقه، هو نقيض الكلام الذي يُدار في الظل. نحن لا نتحدث عن مكان بعينه، بل عن أساليب إدارية عامة، وإن شعر أحد أن هذه الأساليب تمثله، فهي تمثله بالفعل.
ومن هنا تكمن القيمة الاستراتيجية للتوثيق؛ فهذا الكلام كُتب ليظل حجة ممتدة عبر الزمن، ومرفوعاً كمرجع دائم على الفضاء الرقمي يمكن العودة إليه وتدقيقه في أي وقت، فلا يطير مع الهواء ولا ينتهي بانتهاء المجالس.
وعلى سيرة المجالس؛ فإنه وفي مثل هذا الوقت من العام، حيث تُعقد عادةً اجتماعات مجالس الإدارة، يبرز سؤالٌ جوهري: هل طُرحت مثل هذه الملفات الخطيرة على طاولة أيٍّ من تلك الاجتماعات؟ وهل نوقشت حيث يجب أن تُناقش؟ أستبعد ذلك تماماً. فإن كانوا يعلمون بها ولم يحركوا ساكناً فتلك مصيبة، وإن كانوا لا يعلمون فالمصيبة أعظم.
خلاصة القول؛ هذه المنظومات الإدارية منتهية، وأقرب مما يتصور أي أحد. هي منتهية فعلياً، وما بقاؤها الحالي إلا مهلة عابرة، ليس لأنها صامدة، بل لأن ثمة فصولاً لم تُروَ بعد، وملفات لم تُكشف تفاصيلها كاملة. وما يُنشر هنا هو التوثيق العلني والممنهج للآليات التي أوصلت إلى هذه النهاية. وحين تُستكمل هذه الفصول، لن يكون هناك أي داعٍ لبقاء المشهد على ما هو عليه.
المقال القادم سنسلط فيه الضوء على الملف الأكثر حرجاً: وفيات أطفال الخداج. هذا الموضوع الشائك الذي يحتاج لكتابات كثيرة، وسنخوض فيه وفق المبدأ الذي التزمنا به منذ البداية: لا يُكتب في هذه المدونة ما لا يمكن إثباته.
للاطلاع على كافة أجزاء السلسلة المهنية والتقارير الاستراتيجية، تفضل بزيارة الفهرس الكامل:
الوصول إلى الفهرس الكامل