تنويه
في مقال سابق، تعهدت بأن الملفات القادمة ستكون أعمق وأكثر تشريحاً للواقع الإداري. اليوم أَفي بوعدي، وأفتح ملفاً إدارياً يُعد من أخطر الانتهاكات في قطاع الرعاية الصحية: ملف الإهمال التراكمي الذي طال تاريخ المرضى الطبي. ما سأعرضه هنا ليس تحليلاً نظرياً، بل وصف لواقعٍ موثق يتجاوز كونه مجرد خلل، ليصل إلى مرحلة تهديد السلامة العامة.
أولاً: بين الغرفة المتهالكة والأنظمة المعطلة اين ذهب تاريخ المرضى؟!
في بعض المؤسسات، نعيش حالة من الإزدواجية والفوضوية؛ حيث تمتلك هذه المؤسسات نظاماً إلكترونياً متكاملاً يدعم أرشفة كل تفاصيل الرحلة العلاجية — من سجلات الطوارئ الحرجة وحتى ملفات المرضى المقيمين — إلا أن هذا النظام يُعامل كـ "واجهة صورية" فقط، بينما تظل غرفة الأرشيف المتهالكة هي المرجع الفعلي، حيث لا توجد أرشفة حقيقية، بل فوضى عارمة تتكدس فيها الوثائق وتُلقى بعشوائية تامة؛ ملفاتٌ مبعثرة على الأرضيات وأخرى مكدسة فوق بعضها دون أي اعتبار لأبسط معايير التنظيم أو الحفظ.
هذا الوضع ليس وليد الصدفة، بل سببه واضح ومباشر: لا توجد سياسات مكتوبة لتنظيم السجلات الطبية من الأساس فالمهمة برمتها غائبة عن الهيكل التنظيمي؛ فلا سياسات، ولا إجراءات، ولا دليل إجرائي ، مما يعكس غياباً تاماً للحوكمة التشغيلية وانعداماً للمساءلة المؤسسية على واحدة من أهم الأصول المعلوماتية للمستشفى. والنتيجة الحتمية لذلك هي التدمير الكامل للذاكرة المؤسسية، وتحويل تتبع التاريخ الطبي لأي مريض إلى مهمة مستحيلة.
هذا التقصير يتجلى في أمرين:
- استباحة الطوارئ: تُترك سجلات الطوارئ خارج نطاق التوثيق الإلكتروني، وتُلقى في غرف الأرشيف دون أي تنظيم، مما يجعل التاريخ الصحي للمريض في لحظاته الأكثر حرجاً "مفقوداً" بمجرد انتهاء زيارته.
- البيانات المبتورة: حتى في ملفات المرضى المقيمين التي يُفترض أنها مُؤتمتة، نجد أن إدخال البيانات يتم بإهمال إداري مفضوح؛ حيث تُترك حقول جوهرية فارغة، ويُعتمد على "الأوراق المبعثرة" في تلك الغرفة القذرة لتغطية النقص، مما يفرغ النظام الإلكتروني من قيمته القانونية والسريرية.
ثانياً: التزوير عند الطلب.. واصطناع الوثائق
فأبسط مثال حين تطلب الجهات الضامنة لنفقات العلاج (شركات التأمين وصناديق التأمين الصحي) السجل الطبي الكامل للمرضى — وهو حق تعاقدي وقانوني أصيل — للتحقق من صحة المطالبات المالية ومطابقتها للإجراءات السريرية، ماذا يحدث؟
يتم اصطناع السجل الطبي بالكامل على أوراق جديدة وبأثر رجعي في الدائرة الطبية ويسلم للمعنيين بإرسال الملف للجهة الطالبة للملف على انه الملف الأصلي للمريض ، فلا يُستخرج ملف من الأرشيف لأنه غير موجود، ولا يُراجع تاريخ مرضي لغياب السجل. تُكتب معلومات سطحية وآنية من قِبل طبيب مقيم مناوب لم يعاين الحالة أصلاً، في محاولة بائسة لتفادي الأمر.
هذا الفعل ليس مجرد تجاوز إداري، بل هو تزوير صريح لمستندات طبية يعاقب عليه القانون. وهو يحدث تحت مظلة إدارات تفتقر للخبرة، وكوادر تشغيلية ضعيفة وبالتأكيد مجالس إدارة غائبة لم تكلف نفسها يوماً عناء السؤال: كيف تُبنى فواتيرنا العلاجية بلا أصول طبية موثقة؟
ما يحدث هو جريمة كاملة الأركان تتفرع إلى أربعة محاور أساسية:
1. جريمة في حق المريض
حياة المريض أصبحت في مهب الريح. أي خطأ طبي مستقبلي لن يُكتشف، وأي حساسية دوائية سابقة لن تُعرف، وأي تداخل علاجي خطير لن يُتنبه له. ماضيه الصحي كاملاً أُعدم. وعندما يحدث ضرر، لا يملك المريض دليلاً واحداً يستند إليه.
2. جريمة في حق الطبيب
كيف يمكن لأي طبيب — مهما بلغت كفاءته — أن يعالج مريضاً دون تاريخ مرضي؟ إنه يُطلب منه الطيران بلا أجنحة، ثم يُحاسب إن سقطت الطائرة. الطبيب هنا ضحية أيضاً؛ ضحية نظام يُفشله قبل أن يبدأ.
3. جريمة في حق القضاء والرقابة
4. جريمة في حق شركات التأمين والمال العام
دفع أموال مقابل خدمات مبنية على سجلات مُصطنعة هو احتيال مباشر في الفواتير العلاجية. وإذا كانت هذه الجهات جزءاً من منظومة تأمين صحي حكومي، فالمسألة تتجاوز الهدر المالي لتصبح اعتداءً صريحاً على المال العام واستنزافاً لمخصصات الرعاية الصحية.
ثالثاً: أين هذه المؤسسات من أبسط معايير الاعتماد؟
مجلس اعتماد المؤسسات الصحية (HCAC) — وهو الجهة الوطنية المخولة بمنح شهادات الاعتماد والجودة للمؤسسات الصحية في الأردن — يضع بند "إدارة السجلات الطبية وتصنيفها" على رأس قائمة المعايير الحتمية التي تُفحص قبل أي تقييم.
وأُشير إلى هذه المعايير هنا لبيان "الوضع القياسي" الذي يجب أن تكون عليه المستشفيات، وليس لأن المؤسسات المعنية في هذا المقال حاصلة على الاعتماد؛ فهي غير حاصلة عليه قطعاً، ولا تمتلك حتى مقومات التقدم لطلبه.
فلا يمكن لأي منشأة صحية أن تجتاز التقييم دون وجود نظام سجلات طبية مُحكم. السجل الطبي ليس مجرد ملف؛ إنه الأساس لتقييم الجودة، والدليل المادي الوحيد الذي يُثبت خضوع المريض للبروتوكولات العلاجية المعتمدة، وهو المرجع التشغيلي الوحيد لتتبع الأداء.
المؤسسات التي نتحدث عن واقعها اليوم تعيش في عزلة تامة عن هذه المعايير. الفجوة بين واقعها التشغيلي وأدنى متطلبات الجودة هي فجوة لا تُقاس ولا تُرقع. هي منشآت غير مهيأة أصلاً لفهم ثقافة الاعتماد، لأن أساس التقييم والامتثال فيها معدوم، وعندما ينهار الأساس، تسقط شرعية البنيان بالكامل.
رابعاً: الترتيب الشكلي.. لا يغير في جوهر الإهمال التراكمي
قد يظن البعض أن القيام بعمليات ترتيب أو تنظيم للأرشيف، أو تنظيف غرف السجلات من الفوضى، هو حل لهذه المعضلة. ولكن الحقيقة هي أن التنظيم الشكلي لا يغير من واقع الخلل التأسيسي.
إن إجراء أي تحسينات اليوم — مهما كانت — لا يغير من حقيقة أن هذه المنظومات افتقرت لسنوات طويلة لسياسات واضحة. فالترتيب الحالي لا يرمم ثغرات الأمس، ولا يعيد الحياة لسجلاتٍ أُتلفت أو وثائقٍ مفقودة. إننا نتحدث هنا عن إهمال تراكمي لم تعد تجدي معه الإجراءات التصحيحية المتأخرة. وكما أشرتُ في مقالاتي السابقة؛ فإنني اؤكد مرة اخرى أن هذه المنظومات — في ظل النهج الإداري بشقيه (الطبي، والمالي) القائم على إدارة المنشأة حالياً — تسير بخطى متسارعة نحو نهايتها الحتمية. وما واقع السجلات الذي اوضحته اليوم إلا انعكاس مباشر ونتيجة منطقية لهذا التداعي المتراكم والقصور التشغيلي الراهن.
إن الملفات التي ضاعت ضاعت إلى الأبد، وتاريخ المرضى الذي مُزق لا يُرمم بـ "تنظيف الغرفة".
ما عرضته اليوم ليس نهاية الملف، إنه فقط الأساس. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة الآن:
هل أدى هذا الغياب للسجلات إلى طمس السبب الحقيقي لحالات وفاة مثلاً؟ وإذا كان ذلك قد حدث فعلاً، هل مهّد الطريق لإفلات المتسبب الحقيقي من المسؤولية وتحميلها لطرف آخر لا ذنب له؟
أعاود التأكيد ، (لا يُنشر هنا إلا ما يمكن إثباته بالدليل القاطع إن لزم الأمر). لقد بدأ فتح هذه الملفات الثقيلة، وسأجيب على الاسئلة اعلاه — إن شاء الله — في مقال الخميس القادم.
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ صدق الله العظيم.
للاطلاع على كافة أجزاء السلسلة المهنية والتقارير الاستراتيجية، تفضل بزيارة الفهرس الكامل:
الوصول إلى الفهرس الكامل