امتداداً للمنهجية العلمية التي تأسست عليها هذه السلسلة، وإيماناً بأن الكلمة أمانة والمسؤولية المجتمعية والمهنية فوق كل اعتبار، يُعاد التأكيد ابتداءً على أن كافة البيانات، الوقائع، والتحليلات التشغيلية الواردة هنا وفي سائر الأجزاء تُطرح بصفتها دراسة حالة قطاعية مجردة تعنى بالمسارات التنظيمية العامة، ولا تستهدف منشأةً بعينها أو مؤسسةً بذاتها وتنشر لغايات تبادل الخبرة في قطاع الإدارة والرعاية الصحية وللاطلاع على المحددات القانونية التفصيلية الناظمة لهذه المدونة، يُرجى مراجعة [بيان إخلاء المسؤولية الكامل والمعتمد للمدونة]، والذي يعتبر قراءته جزءاً لا يتجزأ من شروط تصفح هذا المحتوى والتفاعل معه.
خط الفصل بين احترام الأصول وتفكيك الفشل الإداري
إن الاعتراف بالفضل لأهل الفضل هو خُلُق مهني ثابت وأصلٌ لا يتغير؛ فالمسيرة الميدانية الطويلة حفلت بمحطات مضيئة، تركت فيها قاماتٌ إدارية وطبية شريفة من أصحاب الأرواح النقية، وأماكنُ عملٍ متعددة لها جميعاً فضلٌ وازن؛ فمنها ما اكتسبنا منه الخبرة وتعلمنا فيه، ومنها ما أضفنا إليه بصماتٍ تركت أثرها، لتستحق هذه المحطات قاطبة كل الاحترام والتقدير الفعلي.
وبناءً على هذا الفرز المهني الدقيق، فإن تفكيك الأخطاء التشغيلية المطروحة ينأى تماماً عن استهداف الشخوص أو الكيانات؛ فنحن لا ننتقد مسمياتٍ أو صروحاً مادية، بل يتركز تحليلنا حصراً على مكامن سوء الإدارة، والخلل الإجرائي، والقرارات المسببة له. إذ يتضح جلياً أن هذا التردّي الهيكلي الحاد لم يكن وليد صدفة عابرة، بل جاء محصلةً لافتقار بعض إدارات المنشآت الصحية للأهلية والخبرة، واستسلامها لحالة الضعف والاستسهال اللتي كان من ابرز ملامحها اللجوء لتقديم حالات إضافية مجانية للأطباء شريطة تحقيق نصاب معين من إدخالات المرضى؛ في ممارسة بائسة لإنعاش نسب الإشغال المتهاوية، ودليل صارخ على قلة الحيلة والعجز عن الاستقطاب بالوسائل المهنية المعتمدة ، مترافقاً مع غيابٍ تام للمعايير المهنية والأخلاق الوظيفية. هذا الواقع تضاعف أثره بوجود مجالس إدارة وقفت إما مغيّبة بالكامل عن الواقع التشغيلي، أو متفرجةً راضية بالأمر الواقع ومتنصلة من واجباتها الرقابية والأمانة المنوطة بها؛ الأمر الذي أفضى في النهاية إلى فوضى عارمة وأخطاء جسيمة وضعت سلامة المنظومة بأكملها على حافة الهاوية
مسار التشريح التصاعدي: من الثغرات الإجرائية إلى كبرى الملفات
وكما بدأنا في أجزاءٍ سابقة بتشريح جِذر هذه الأخطاء والانحرافات الإدارية، فإننا نلتزم بمسارٍ منهجي يتدرج تصاعدياً من الملفات التشغيلية الأقل عمقاً إلى الأشد خطورة وحساسية، وهو التسلسل الذي سنمضي وفقه في المقالات القادمة. وتأتي هذه الاستراتيجية لثلاثة أسباب موضوعية؛ أولاً: لتأسيس قاعدة تشخيصية صلبة تبرهن أن الانهيارات الكبرى ما هي إلا امتداد طبيعي للتغاضي عن الثغرات الصغرى، ثانياً: لإقامة الحجة التشغيلية الكاملة وقطع دابر الذرائع التي تدعي عفوية الخلل أو فرديته، ثالثاً:لمنح القارئ فرصة تتبع الخيوط، وفهم هندسة الفشل الإداري من مبدئه الإجرائي البسيط وحتى منتهاه الهيكلي الكارثي، كحلقة متصلة لا تقبل التجزئة؛ مع التأكيد الجازم على أن هذه الأطروحات ليست قصصاً من وحي الخيال أو مجرد سردٍ إنشائي، بل هي وقائع تحدث حقيقية، وأتحمل المسؤولية الكاملة عن صحة وإثبات كل ما ذُكر فيها سابقاً أو سيُذكر لاحقاً، وجاهزيتي المطلقة لتقديم بيناته أمام أي جهة كانت في حال لزم الأمر.
وتأسيساً على هذا المسار، والتزاماً بنهجنا الثابت، سنمضي في كل مقال بتسليط الضوء حصراً على نقطتين محددتين، لتركيز الفحص عليهما، وتفكيك أبعادهما وشرحهما بأسلوب مباشر باقل قدر من التعمق لتكون الأفكار مفهومة وواضحة تماماً أمام القارئ العادي الغير متخصص بالمجال الطبي.
البند الأول: الانكشاف القانوني في بروتوكولات العقاقير الخطرة
تأتي على رأس هذه الملفات التجاوزات الصارخة المتعلقة بآليات التعامل مع العقاقير الخطرة والمواد المحكومة رقابياً في بعض المستشفيات. والمفارقة الصادمة هنا تكمن في ذلك الفصل الحاد والمريب بين انضباط الإجراء الصيدلاني والفوضى السريرية داخل الأقسام الطبية؛ وهنا وجب الإنصاف والإشادة بالدور المسؤول والأمين الذي يقوم به قطاع الصيدلة والصيادلة، إذ يسير العمل من طرفهم بصورة رقابية دقيقة وموثقة تنتهي بصورة مثالية عند عتبة الصيدلية، لتبدأ المشكلة الحقيقية بمجرد خروج هذه العقاقير إلى الأجنحة والأقسام، حيث ينعدم وجود سياسة مؤسسية واضحة ومفهومة (Policy) تحكم وتضبط بروتوكول التعامل مع هذه المواد.
إن غياب آليات التحقق الرقابي والإشرافي المباشر، وتغييب المعايير الصارمة التي تحدد حجم وسعة الجرعات الممررة فعلياً (CC)، بالتوازي مع غياب التطبيق الحقيقي لبروتوكولات الاعطاء و بروتوكولات التوثيق لعمليات الحقن والتخلص من الفائض (Push-out & Waste Protocol)، يخلق بالضرورة بيئة تشغيلية منفلتة تتيح تداول وإعطاء هذه العقاقير الحرجة بلا كوابح أو ضوابط حقيقية. هذا الفراغ الإجرائي المتراكم لا يمثل مجرد قصور إداري، بل هو منزلق خطير يضع المنظومة وقائميها تحت طائلة المسؤولية القانونية والمساءلة القضائية المباشرة عند أول فحص حقيقي.
ومن باب الأمانة في الرصد والتوثيق، وبغض النظر عما إذا كانت هناك مساعٍ مستجدة لتدارك هذا الخلل، أو إن كان قد تغيّر شيء في الآونة الأخيرة أو بقي على حاله –وهو ما لا نعلمه على وجه الجزم ولا ندّعيه– فإن ذلك لا يلغي بأي حال من الأحوال حقيقة أن هذا الفراغ الإجرائي الحرج كان قائماً ومكشوفاً في الأصل، وهو واقعٌ موثق يسهل تأكيده وتقديم بيناته القاطعة؛ ليظل هذا التحذير بمثابة شهادة موضوعية تضع اليد على عمق الفجوة التنظيمية التي جرى رصدها."
البند الثاني: تهاوي معايير الاختصاص في أقسام الخداج وتهميش المرجعية العلمية
أما الملف الثاني الذي لا يقل خطورة، فيتعلق بغياب الانضباط الصارم في آليات فحص وتقييم المواليد الجدد داخل أقسام العناية الحثيثة لحديثي الولادة (الخداج). حيث يُترك تشخيص ومتابعة هؤلاء الأطفال الرضع لأطباء عامين، أو كوادر غير حاصلة على شهادة الاختصاص العالي أو البورد في طب الأطفال والخداج، في تجاوزٍ صارخ لأبسط بروتوكولات السلامة الطبية.
وإذا كان هناك من يخرج علينا بذرائع واهية تبرر هذا الانفلات، بادعاء أن المعاينة الأولية تقع في نطاق صلاحية أي طبيب مجاز بغض النظر عن تخصصه أو مرتبته العلمية؛ فإن هذا المنطق التشغيلي العقيم يقودنا مباشرة إلى حقيقة تهكمية صادمة: إذا كان تشخيص ومتابعة أدق التفاصيل الحيوية لطفل في حاضنة الخداج أمراً متاحاً وغير مشروط بالبورد، فلماذا لا نغلق أبواب 'المجلس الطبي الأردني' نهائياً ونوفر الجهود؟ ولماذا نُشغل قطاعنا الطبي بعناء تنظيم امتحانات الاختصاص وإصدار الشهادات العليا، ما دام الفرز العلمي قد استُبدل بالعفوية، وما دام 'كل من درس الطب' قادراً على ممارسة دور المتخصص بلا حسيب أو رقيب؟
ومع هذا التوصيف الصادم، فإننا نكتفي في هذا الجزء بهذا القدر من الطرح الفني المتعلق بسلامة الأرواح ومعايير الاختصاص، غاضّين الطرف تعمداً في الوقت الراهن عن التعمق في التفرعات والارتباطات المالية المرتبطة بهذا الملف، أو تفكيك آليات العمل والتعاقدات المعقدة التي تُهندَس بذكاء لتظهر أمام الجهات الرقابية بشكل 'قانوني ومستوفٍ للشروط' في ظاهرها، بينما ينطوي باطنها على فراغ تنظيمي حرج."
ختاماً، إن ما وضعناه اليوم على طاولة المكاشفة من ثغراتٍ في بروتوكولات العقاقير الخطرة، وتهاوٍ في معايير اختصاص أقسام الخداج، ليس إلا العتبات الأولى في سلم رصدنا التصاعدي؛ فالملفات القادمة تلامس عصب المنظومة التشغيلية بشكلٍ أعمق، وتتجاوز بتأثيرها وتفاصيلها ما ذكرناه اليوم حساسيةً وخطورة. وسنواصل تفكيك هذا الخلل خطوة بخطوة، واضعين الكلمة في ميزانها الحقيقي كأمانةٍ تشغيلية وأخلاقية تفرض دقة اللفظ وثبات الحجة، امتثالاً للتوجيه الإلهي المحكم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾. وعلى هذا المنهج الثابت والمسؤول، يتجدد موعدنا –بإذن الله– في الخميس القادم، لنفتح معاً أوراقاً جديدة في هذا المسار المتسلسل
للاطلاع على كافة أجزاء السلسلة المهنية والتقارير الاستراتيجية، تفضل بزيارة الفهرس الكامل:
الوصول إلى الفهرس الكامل