التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقال مستقطع: وضع النقاط على الحروف قبل أن تنطق الملفات بما تخفيه الظلمات

صورة للكاتب والمدون مهند الخضور مرافقة لمقال "مكاشفة ضرورية لوضع النقاط على الحروف" لتشريح الإدارة الطبية

 تنبيه منهجي أولي

يود الكاتب الإشارة إلى أن التسلسل الرقمي والترتيبي للأجزاء والمقالات المنشورة في هذه السلسلة يتبع سياقاً تحليلياً وموضوعياً بحتاً، ولا يحاكي بالضرورة الترتيب الزمني أو التسلسل الوظيفي الفعلي لمسيرته المهنية. وفي النهاية، فإن أي إسقاط عشوائي يقوم به القراء، أو أي شعور بالتوجس والتحسس من قِبل أي جهة تجاه هذه المكاشفة، هو محض ظنون ومخيلات تخص أصحابها وحدهم ولا علاقة لنا بها ولا تقع في دائرة علمنا؛ فالنقد المجرد لا يربك إلا من يرى في سجله الفعلي تطابقاً مع التشريح.

وضع النقاط على الحروف

نزولاً عند مقتضيات الأمانة المهنية، ورداً على سيلٍ من الاتصالات، والاستفسارات، والنقاشات المكثفة التي تلقيتها مؤخراً من زملاء، وأصدقاء، ونخب إدارية وطبية في قطاع الرعاية الصحية حول مضمون هذه المقالات وما ينشر فيها من تحليلات ورؤى؛ رأيتُ أن أستقطع هذا المقال خارج السياق التسلسلي المعتاد لسلسلتنا المهنية.

​هذا الطرح ليس جزءاً من السرد التتابعي للمذكرات، بل هو وقفة موضوعية حازمة فرضتها دواعٍ مهنية لوضع النقاط على الحروف، وإيقاف أي تأويلات مغرضة أو إسقاطات عشوائية يحاول البعض ممارستها في الغرف المغلقة.

تجرد الغاية وبراءة الذمة الشخصية (النماذج المركبة)

بعد مسيرة تنفيذية حافلة في قطاع الرعاية الصحية والإدارة الطبية امتدت لأكثر من سبعة عشر عاماً، وبعد مرور ما يزيد على العام الكامل من مغادرتي لهذا القطاع طواعية وبلا عودة، متفرغاً لمسارات استراتيجية جديدة؛ أؤكد بشكل قاطع أنه لا تجمعني أي خصومة شخصية أو تصفية حسابات مع أي منشأة طبية على الإطلاق. بل على العكس، أعتز بشبكة علاقات وطيدة وزمالة راسخة مبنية على الاحترام المتبادل مع الكفاءات المخلصة في هذا الميدان.
​ومن هنا، وجب التأكيد على أن كافة الحالات، الممارسات، والمشاهدات التشغيلية المشروحة في هذه المساحة لا تعود لمنشأة بعينها، بل هي نماذج إدارية مركبة وتوليفة مستخلصة ومدمجة من مجمل خبراتي المتراكمة في القطاع. لقد عولجت هذه الحالات وصيغت بهدف ضمان التجهيل المطلق لحرمة المؤسسات، تماشياً مع الأصول القانونية، وليمنح الخبير زاوية رؤية أشمل وأكثر تجرداً، ويجعل من النقد الإداري قضية عامة تستهدف تصويب "المنهج والمنظومة" لا "الأشخاص والذوات".

الأصول المهنية: الإصلاح من الداخل أولاً

وجب التنويه ليعلم الجميع منهجيتنا الراسخة؛ إن كافة الاختلالات التشغيلية، أو الفجوات الإدارية والمالية الشائكة التي تناولناها بالتشريح والتحليل، لم تكن يوماً وليدة مذكرات تُنشر بعد رحيل، بل هي توثيق لملفات وقضايا جوهرية قمت بوضعها شخصياً —وبالأدلة والمستندات والتقارير القطعية— على طاولات أصحاب القرار وملاك تلك المنشآت وأنا على رأس عملي.
​فقد سلكت مسبقاً كافة القنوات الإدارية داخل تلك المنشآت الطبية ، وحذرنا مراراً من مغبة الاستمرار في النهج الفردي وتفشي التقارير الكيدية، انطلاقاً من أمانة الوظيفة ومسؤولية الموقع. وبالتالي، فإن ما يُطرح هنا ليس من باب النشر لمجرد النشر، بل هو رصد لظواهر تشغيلية عجزت العقليات التقليدية عن استيعاب خطورتها، حتى بات السكوت عنها اليوم تواطؤاً يرفضه الضمير المهني والأخلاقي.

الرؤية السيادية: بيئة الاستثمار ومسؤولية الإدارات التنفيذية

عندما نتناول بعض الاختلالات في البيئات التشغيلية الطبية، فإننا ننطلق من حرص وطني غيور على قطاع سيادي يمثل واجهة مشرفة للمملكة؛ وهنا لا بد من تأكيد المؤكد: إن الدولة الأردنية، بمؤسساتها وتشريعاتها الحكيمة، قد قدمت —وما زالت تقدم— أعلى مستويات التسهيلات، الحوافز، والبيئة الآمنة والمستقرة لجذب الاستثمارات الخارجية وتنشيط ملف السياحة العلاجية الذي نفاخر به إقليمياً وعالمياً.
​إلا أن التحدي الحقيقي والخلل المشهود، قد يكمن في السياسات التشغيلية لـ بعض الإدارات التنفيذية أو بعض مجالس الإدارات في منشآت تخصصية بعينها؛ حيث تم تعيين هذه القيادات من قِبل مستثمرين ورجال أعمال من خارج المملكة وضعوا كامل ثقتهم وأموالهم في بيئتنا الوطنية رفداً للاقتصاد، بينما قد تُخفي عنهم تقارير التجميل الإداري المضللة والمرفوعة إليهم حجم التخبط الداخلي، والممارسات الفردية التي تمارسها بعض تلك الإدارات ومجالس الادارات خلف كواليسهم، وهو ما قد يهدد —على المدى البعيد— بتبديد جهود تلك الاستثمارات وضياع حقوق مستثمرين لا يعلمون عن واقع الحال التنفيذي شيئاً.

الواجب الاجتماعي: أرواح الناس فوق الهوامش التشغيلية

​إن قطاع الرعاية الصحية لا يحتمل ترف التجربة والخطأ، والتعامل مع الاختلالات الإدارية والمالية فيه لا يشبه أي قطاع تجاري آخر؛ لأن أي خلل في منظومة مستشفى أو مركز طبي يمس مباشرة أرواح البشر وسلامة المرضى.
​لذا، فإن إشهار هذه النماذج وتشريح عيوبها يخرج تماماً من سياق السرد الشخصي، ليدخل في سياق الواجب الاجتماعي والوطني الحتمي. نحن نكتب لندعم رؤية الدولة في تصويب المسارات، ونحمي المستثمر، ونحافظ على السمعة الطبية لوطننا، ولنؤكد أن حوكمة المؤسسات وإرساء معايير الشفافية هي المصد الحقيقي لحماية القطاع الطبي، وأن التستر على الخلل تحت ذرائع واهية هو الهدم الحقيقي للمستقبل الاستثماري.
​وكما أكدنا سابقاً؛ إن هذه الحقائق والتوثيقات مبنية على صخر، وإذا ما اقتضت الحاجة —في أي سياق رقابي أو رسمي أو قضائي— لتقديم هذه البينات كاملة وضمن القنوات التي حددها القانون لإثبات سلامة هذا الطرح ونزاهته، فإننا على أتم الجاهزية والملاءة للمواجهة لتكون الوثائق الدامغة هي الفيصل النهائي القاطع."

وبناءً على هذا الأساس الصلب، ومتحصنين بأمانة الكلمة ونزاهة المبدأ، نضرب لكم موعداً يتجدد كالمعتاد مساء يوم بعد غد الخميس ؛ حيث سنفتح في جعبتنا ملفات تشغيلية وتشريحات إدارية ستشكل صدمة حقيقية. إن ما سيُطرح في المقال القادم يتجاوز تماماً حدود التوقعات، ولن يكون بمقدور أحدٍ التنبؤ به، حتى وإن عاد أولئك الذين أداروا المشهد ليراجعوا خطاياهم وزلاتهم الإدارية والمهنية منذ الولادة؛ فالاستهتار المتراكم يورث عَمىً مهنياً يُنسي أصحابه حجم التجاوزات الفادحة التي راكموها، وظنوا واهمين أن مضي الوقت كفيلٌ بطمرها، وللحديث بقية لا تنتهي، وصدق الله العظيم إذ يقول:

​﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾"