التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ما وصفناه مسبقاً لم يكن مبالغة: فاجعة غسيل الكلى.. هل ستُفتح ملفات القطاع الصحي كاملة؟ الجزء (22)

غرفة عناية مركزة تعاني من فوضى إدارية وأوراق طبية متناثرة على الأرض، مع شاشات تعرض رسالة "فشل النظام"، بينما يراقب أشخاص يرتدون بدلات رسمية من مكتب زجاجي علوي يطل على القسم

تنويه:

امتداداً للمنهجية العلمية التي تأسست عليها هذه المدونة ، وإيماناً بأن الكلمة أمانة والمسؤولية المجتمعية والمهنية فوق كل اعتبار، يُعاد التأكيد ابتداءً على أن كافة البيانات، الوقائع، والتحليلات التشغيلية الواردة هنا وفي سائر الأجزاء تُطرح بصفتها دراسة حالة قطاعية مجردة تعنى بالمسارات التنظيمية العامة، ولا تستهدف منشأةً بعينها أو مؤسسةً بذاتها وتنشر لغايات تبادل الخبرة في قطاع الإدارة والرعاية الصحية وللاطلاع على المحددات القانونية التفصيلية الناظمة لهذه المدونة، يُرجى مراجعة [بيان إخلاء المسؤولية الكامل والمعتمد للمدونة]، والذي يعتبر قراءته جزءاً لا يتجزأ من شروط تصفح هذا المحتوى والتفاعل معه.

ليس تنظيراً بل رصداً

لأقطع الطريق على أي تأويل؛ فأنا حين اكتب هذه الكلمات، لا أبحث عن شهرةٍ ولا يغريني بريقٌ إعلامي؛ فالحمد لله ما بنيته من مسيرةٍ مهنية يحمل من الثقل والحضور ما يغنيني عن البحث عن صدىً خارج أسوار مهنيتي. إن واجبي اليوم ليس استعراضاً، بل هو قولٌ للحق نابعٌ من موقعي كخبيرٍ يدرك حقيقة ما يجري من ممارسات في هذا القطاع المهم وأثر هذه الممارسات لأجد نفسي أمام مسؤولية مهنية وأخلاقية تتطلب المواجهة. واسمحوا لي أن أخرج عن المألوف، لأضع بين أيديكم قراءةً أعمق للمشهد؛ فالموقف يتجاوز حدود الحدث العابر، وهذا حديثٌ وجب على الجميع سماعه، إن ما نكتبه اليوم ليس استثماراً في وجع الناس، ولا بحثاً عن إدانة لجهة بعينها، بل هو توثيقٌ لواقعٍ إداري متهالك كنت قد رصدته وتكلمت عن جذور مسبباته في مقالاتي السابقة بهذه المدونة، فالمنهجية التي اتبعتها لم تكن يوماً قائمة على التخمين، بل هي استقراءٌ علميٌ وواقعيٌ لآليات العمل المخفية التي يسهل علي إثباتها بالأدلة القاطعة التي لا تقبل أي تأويل، وهي أدلةٌ عصيّةٌ على أي محاولةٍ للترميم أو التجميل، مهما بلغت براعة أصحاب المصالح في التغطية على حقيقتها.

فجوة المسؤولية في قاعات صنع القرار

في وقت تتصدر فيه أخبار تلوث وحدات غسيل الكلى في أحد المستشفيات المشهد الصحي في عمان، يغيب عن الأذهان أن هذه الفاجعة ليست "خطأً تقنياً" محصوراً في قسمٍ بعينه، بل هي مؤشرٌ واضح على واقعٍ أوسع؛ فالبكتيريا التي تتربص بمرضى غسيل الكلى، هي ذاتها التي قد تفتك بمرضى غرف العمليات، أو تتسلل في غفلةٍ بين أروقة وأجنحة المستشفيات، إن هذه الملوثات لا تعرف الأقسام، ولا تعترف بحدود الأجنحة، بل تتغذى على الفراغ الرقابي، وتتكاثر في ظل غياب البروتوكولات والسياسات الطبية الصارمة، وتنتقل بمرونة عبر "نظام إداري" يعاني من خللٍ مزمن في النزاهة، ويدور في فلك المصالح الشخصية والأرقام الوهمية قبل أن يلتفت إلى معايير السلامة الحيوية. وللأمانة، أنا لا أعرف -ولا حاولت أن أعرف- أي مستشفى هو المعني بالحادثة، لكن ما أكتبه يخص جانبا معينا من هذا القطاع ؛ لأن البيئة التي تفرز هذه الكوارث واحدة. إن ما رصدته في مقالاتي سابقاً من فجوات في آليات العمل لم يكن توقعاً او ضرباً بالغيب بل قراءة مباشرة لما يجري في دهاليز صنع القرار ، واليوم الواقع يثبت أن تحذيراتنا من هذا الانهيار لم تكن مبالغة، بل كانت تشخيصاً لحالةٍ وصل فيها الإهمال إلى مرحلة حصد الأرواح -كما وصفته حرفياً بمقال سابق-. هذا الانهيار ليس صدفة، بل هو ثمرة طبيعية لبعض المنظومات الإدارية التي تعاني من "اختلال هيكلي في سلم الأولويات". فمن المستغرب والمثير للريبة أن تجد بعض إدارات المؤسسات الصحية تفرض رقابة صارمة، وتستنفر طاقاتها الرقابية في تفاصيل هامشية وشكلية - كالتشدد في منع التدخين في مواقف السيارات أو الشوارع المحيطة بالمستشفى - بينما تتقاعس في ذات الوقت عن تطبيق أبسط البروتوكولات المعتمدة للتعقيم الجرثومي في غرف العمليات، إن هذا التركيز على القشور وتجاهل الجوهر يعكس نهجاً إدارياً يُغلب المظهر على السلامة، ويستبدل معايير الجودة الطبية بمعايير "البرستيج" المؤسسي، وهو نهجٌ لا ينمو أو يستمر إلا تحت مظلة ومباركة مجالس الإدارة التي تضع الأرقام السريعة والمظاهر البراقة فوق حياة المرضى، لتقع بذلك في قلب المسؤولية عن كل تقصيرٍ إداري؛ فالمسؤولية هنا ليست تقنية فحسب، بل هي مسؤولية قرارٍ استراتيجي انحرف عن بوصلته. إن الإدارة التي تفتقر إلى البوصلة المهنية في ترتيب أولوياتها، وتسمح للفراغ الرقابي بأن يمتد ليشمل ما هو حيوي ومصيري، هي التهديد الأكبر على حياة المريض؛ فالمشكلة ليست في جغرافيا الحادثة، بل في نهج مؤسسي يرفض أن يضع سلامة البشر فوق حسابات الصورة الذهنية والمصالح الضيقة.

خطيئة المسؤولين الأولى: كيف يُنهي الغرورُ تاريخَ المؤسسات الكبرى؟

إننا حين نقرأ التاريخ، نجد أن 'الكِبر' لم يكن يوماً مجرد صفة شخصية، بل هو الخطيئة الأولى التي أسقطت كياناتٍ وأنهت إمبراطوريات، ولطالما كانت 'العزة بالإثم' هي الحاجز الذي يمنع سماع صوت العقل والحق. لقد شهدنا في أروقة الإدارة كيف تأخذ بعض المسؤولين غطرستهم، فيظنون أنهم في منأى عن السقوط، متجاهلين نصائح الخبراء وتنبيهات الواقع، مفضلين التمسك بصورة ذهنية وهمية عن 'الكمال'. فكم من مؤسساتٍ كبرى، كانت يوماً تُضرب بها الأمثال في القوة والاتساع، تلاشت اليوم أو أصبحت قيد التصفية ويقبع جزء من اصحابها بالسجون، لا لشيء إلا لأن قياداتها استمرت الغرور وتناست أن الأرض لا تحابي أحداً.

​ما حدث في وحدة غسيل الكلى قد يكون خطأً فردياً، أو نتيجة ضغط العمل وكثافة المراجعين، أو حتى خللاً في تلك المنظومة؛ فالتشخيص النهائي متروك للجهات المختصة، ولا ندعي الإحاطة بكل تفاصيله. إلا أن ما تناولته في مذكراتي هو شيءٌ مختلفٌ تماماً؛ فنحن نتحدث عن خلل هيكلي عميق في منظوماتٍ تدير أرواح الناس بمنطقٍ بعيدٍ كل البعد عن المعايير المهنية. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ فنحن لا نتحدث عن ثغرات تشغيلية فحسب، بل عن 'مأسسةٍ' للخلل، حيث تتقاطع الأخطاء الطبية مع التجاوزات المالية والإدارية في حلقة واحدة متكاملة لضمان بقاء المصالح الشخصية فوق مصلحة المريض. ما رأيناه في هذه الحادثة، رغم قسوته، لا يمثل إلا جزءاً ضئيلاً من واقعٍ أكثر مأساوية. مقالي القادم سيكشف لكم ملفاتٍ أعمق وأخطر بكثير من قصة غسيل الكلى ومن واقع حقيقي املك كل دلائله،،،،،فقد انقضى زمن الإصلاح وأجدني اليوم، ومن واقع خبرتي، لا أرى سوى الفصول الأخيرة من نهايةٍ حتميةٍ لكياناتٍ اختارت الغفلة والتصفيق للباطل على حساب النجاة،،،،،،،دون اي شروحات اضافية فقط انتظروا موعدنا المعتاد الخميس القادم، فمسؤوليتي القانونية عمّا سوف اكتبه ليست اغلى من ارواح الناس ....

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ صدق الله العظيم 

للاطلاع على كافة أجزاء السلسلة المهنية والتقارير الاستراتيجية، تفضل بزيارة الفهرس الكامل:

الوصول إلى الفهرس الكامل